محمد بن أحمد النهرواني

278

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

وكانت مدة سلطنته تسع سنين وثمانية أشهر ، وكان عمره جميعه أربعا وخمسون سنة ولم يعمر أكثر من ذلك ، ولم تطل مدة سلطنته لأنه كان سفاكا يكثر « 1 » من القتل ، وهذه عادة اللّه تعالى في السلاطين ، والأمراء والحكام إذا أكثروا من سفك الدماء . وكان سلطانا قاهرا ، مالكا جبارا ، قوى البطش ، عظيم القتل ، كثير الفحص عن أخبار الناس ، شديد التوجه أهل النجدة والباس ، عظيم التجسس عن أخبار الممالك ، عارفا بمسالك الطرق والمسالك ، وكان يغير زيه ولباسه ، ويتجسس في الليل والنهار ، ويطلع على الأخبار وتكشف الأسرار ، وله عدة مصاحبين يدورون في الأسواق ، والجمعيات والمخافل ، ومهما سمعوا به ذكروه له في مجلس المصاحبة ، فيعمل بمقتضى ما يسمعه بعد الوقوف فيهم ، وقد أدركت جماعة من مصاحبيه المذكورين ، وسمعت منهم حسن مصاحبة السلطان سليم معهم ، ولطف معاشرته لهم ، وتفرسه في اللغة الفارسية ، وحسن ظنه بالفارسية والرومية ، وبحيث فاق فيه فصحاء الطائفتين . ورأيت بيتين بالعربي بخطه الشريف كتبهما في علو المقياس في الكوشك الذي أمر بنائه لما افتتح مصر وسكن الروضة المحا انمحى لطول الزمان مداده ، ومال إلى لون البياض سواده ، وكان هذا الكوشك محترما مقفلا لا يصل إليه أحد لعظم بانيه ، ولا ينتذل بالدخول إليه تعظيما لراعيه ، فدخلت إلى مصر سنة 933 ه ، وكان يوم كسر الفيل السعيد ففتحوا هذا الكوشك « لبكريكى » صاحب مصر يومئذ « حسرف باشا » ، وكنت مصاحبا لمعلمه مولانا عبد الكريم العجمي ، فطلع وأطلعنى معه في صحبة « حسرف باشا » المذكور ، فرأيت مكتوبا على الرخام الأبيض كتابة خفيفة لا تكاد تقرأ إلا بتأمل ، وهي هذين البيتين : الملك للّه من يظفر بنيل منى * يرده قسرا ويضمر منه نفسه الدركا

--> ( 1 ) في ( س ) : كثيروا .