محمد بن أحمد النهرواني
185
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
قال الصولي : سمعت المكتفى يقول في علته التي مات فيه : « واللّه ما آسى إلا سبعمائة ألف دينار صرفتها من بيت مال المسلمين في أنية وعمارة المحتاج » . وذكر أبو منصور الثعالبي قال : حكى إبراهيم بن نوح أن الذي خلفه المكتفى مما جمعه هو وأبوه لا غير مائة ألف دينار وأمتعة وأواني وغفارات ، وكان من جملة الأمتعة ثلاثة وسبعون ألف ثوب ديباج ، فسبحان من بيده خزائن السماوات والأرض وإليه ترجعون . ولما جاء الأجل المحتوم المقدور وتلا لسان حاله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ « 1 » ، انقصف غصن شبابه القشيب ويبس عود جماله الرطيب ، وصار يدر كماله مخسوفا وعاد نور محياه المشرق مكسفا ، فانتقل من دار الفناء إلى دار الخير والبقاء في ليلة الأحد لثنتى عشر خلت من شهر ذي القعدة الحرام سنة 295 ه رحمه اللّه تعالى . وخلف ثمانية أولاد ذكور وثمان بنات ، وولى بعده استخلافه أخوه أبو محمد على المقتدر باللّه « 2 » بن المعتضد بن الموفق باللّه بن المتوكل على اللّه بن المعتضد بن هارون الرشيد العباسي بايعه الناس وعمره ثلاثة عشر سنة ولم يلي الخلافة قبله أصغر منه ، ذكره الجلال السيوطي ، وأمه أم ولد تسمى « معتب » وولى الخلافة ثلاث مرات هذه الأولى منها ، ولم يتم له فيها أمر لصغر سنه ، فتغلب الجند عليه واتفقوا على خلعه فخلعوه وعقدوا البيعة لأبى العباس عبد اللّه بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولقبوه « الغالب باللّه » ، وبايعوه لعشر بقين من ربيع الأول سنة 296 ه ، واستمر خليفة ساعة من ذلك النهار ، وعبد اللّه بن المعتز - لقصد زمن خلافته - لا ينبغي عده من الخلفاد ، ولكن تذكره لفضله وأدبه وهو أشعر بني هاشم على الإطلاق وأكثرهم أدبا وفضلا ودخولا ومعرفة بعلم الموسبقا ، وأشهر الشعراء على الإطلاق في التشبيهات المبتكرة المخترعة المرفضة المطربة التي لا شق غباره فيها أحد . مولده في شعبان سنة 249 ه .
--> ( 1 ) الآية رقم 4 من سورة نوح ، مكية . ( 2 ) المقتدر باللّه : سبقت الإشارة إليه .