محمد بن أحمد النهرواني
183
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
ولما أن عض المعتمد عضد الموت العاضد ، وتطع عرق حياته مباضع الزمان الحاسد ، ولا حمته عن الحمام قوته ولا منعته عن منعته ولا هيبته فأنزلته يد المنايا من سرير الخلافة والملك وأركبته سرير الآلة الجدباء إلى حفير شفير الفناء والهلك ، ودفنته في تربة عمله الصالح ، وسقت ثراه بما طاب من ثنائه الفاتح . ومن أغرب ما حكاه المسعدى عن المعتضد في وفاته : « أنه اعتل من إفراطه في كثرة الجماع وطالت علته وغشى عليه ، فشك من حوله في بيته ، وكان لا يحسر عليه أحد لشدة هيبته فتقدم إليه الطبيب يختبره يجس نبضه ففتح عينيه ونظر لذلك فرفس الطبيب برجله رفسة فدجاه أذرعا ، فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته ، وكان وفاته يوم الاثنين لثمان بقين من ربيع الآخر سنة 289 ه ، وخلف من الأولاد أربعة ذكورا وإحدى عشر بنتا . وكان مدة ملك المعتضد تسع ستين وتسعة أشهر ونصف رحمه اللّه تعالى . * * * فصل [ في ولاية المكتفى بالله ] لما اشتد المرض بالمعتضد جعل ولى عهده من بعده ولده أبا محمد على ، ولقبه المكتفى باللّه ، وأخذ له البيعة قبل موته بثلاثة أيام . فلما تولى المعتضد إلى رحمة اللّه تعالى كان المكتفى باللّه غائبا بالرق ، فنهض بأعباء البيعة له الوزير أبو الحسين القائم بن عبيد اللّه ، وكتب إليه فوصل إلى بغداد من الق في سابع جمادى الأول ، وكان يوم وصوله يوما مشهودا زينت له بغداد ونزل دار الضيافة ، وخلع على الوزير المذكور وسيع خلع عظيمه ومدحه الشعراء وأنعم عليهم بالجوائز السخية في غرة ربيع الأول سنة 293 ه ، وأمه أم ولد تركية اسمها « جيحك » ، وكان مليح الصورة ، يضرب بحسنه المثل وفيه قال القائل يصف الدنيا : ميزت بين جمالها وفعالها * فإذا الملاحة بالقباحة لا يفي واللّه لا اختارها لوانها * كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفى