محمد بن أحمد النهرواني
172
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
ومات تحت ذلك عشرة أنفس من خيار الناس ، وكان عامله بمكة يومئذ هارون بن محمد بن إسحاق ، وقاضيها يعقوب بن يوسف القاضي . فلما رفع أمر هذا الهدم إلى بغداد ، أمر أبو أحمد الموفق باللّه ، عامله إلى مكة هارون المذكور ، بعمارة ما انهدم من المسجد الحرام الشريف ، وجهز إليه مالا بسبب ذلك ، وشرع في عمارته ، وجدد له سقفا من خشب الساج ، ونقشه بالألوان المختلفة ، وأقام الأسطوانتين الساقطتين ، وبنى عقودهما وركب السقف ، وركب في أيام عمارته سرادق بين العمال والبنائين وبين الناس ليسترهم عن أعين الناس بالمسجد الحرام ، إلى أن أكمل ذلك في سنة 373 ه ، فركب من الحجر لوحين في جدار المسجد الشريف ، في ذلك الجانب ، نقش على أحدهما بالنقر في لوح الحجر ، ما صورته : بسم اللّه الرحمن الرحيم : « أمر أبو أحمد الموفق باللّه ، الناصر لدين اللّه ، ولى عهد المسلمين - أطال اللّه تعالى بقاءه - بعمارة المسجد الحرام ؛ رجاء ثواب اللّه تعالى ، والزلفة إليه ، وتم ذلك على يد عامله على مكة ، هارون بن إسحاق بن موسى في سنة 373 ه » . وعلى اللوح الثاني نقر كتابة صورتها : بسم اللّه الرحمن الرحيم : « أمر الناصر لدين اللّه ، ولى عهد المسلمين ، أبو أحمد الموفق باللّه ، أخو أمير المؤمنين ( أطال اللّه بقاءهما ) القاضي يوسف بن يعقوب ، بعمارة المسجد الحرام ، لما في ذلك من رجاء ثواب اللّه تعالى ، أجزل اللّه تعالى ثوابه وأجره ، وأتم ذلك على يد محمد بن العلاء ابن عبد الجبار في سنة 373 ه . والحجرين المذكورين لا وجود لهما الآن ، محاهما الدهر والزمان ، وعفى أثرهما القديم الجديدان ، كما عفى أثر غيرهما من العمائر والبنيان ، ودار عليهما الدوران ، ولا يبقى الأثر بعد زمان : الدهر يفجع بعد العين بالأثر * فما البكاء على الأشباح والصور وقد نقلت صورة تلك الكتابة من تاريخ مكة ، للإمام أبى عبد اللّه محمد ابن إسحاق الفاكهي ( رحمه اللّه ) .