محمد بن أحمد النهرواني

173

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

وكان للموفق باللّه ولد نجيب ، هو أحمد أبو العباس ، جعله الموفق ولى عهده ، واستعان به في حروبه ، وأحواله وظهرت به نجابة وقوة ، فخشى الموفق منه على نفسه ، وعلى أخيه المعتمد ، لما رأى من شجاعته وإسالته ، فأودعه بطن الحبس ، ووكل به من يثق به في أمره ، واستمر محبوسا إلى الزمان الذي قدره اللّه . ثم وقعت الوحشة بين الخليفة والمعتمد على اللّه ، وعلى أخيه الموفق باللّه المذكور ، وتباغضت قلوبهما ، وتشاحنت الصدور ، فإن الرئاسة الدنيوية ، لا تقبل الاشتراك والغيرة على الملك والسلطنة أسرع شئ توغر صدور الأملاك والانفراد والاستقلال ، مما يتفانى عليه أنباء الدنيا من أصحاب الأملاك . ومما قيل : وما هي إلا جيفة مستحيلة * عليها كلاب هممن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها * وإن تجتذبها نازعتك كلابها ولما كان المعتمد على اللّه مع كونه عاجزا عن أخيه الموفق كان يريد هضمه ، لاستيلائه على المملكة ، ورضاء الناس عنه ، واشتغاله بالفحص عن أحوال الرعية عن الملاهي والملاذ ، واستعان المعتمد على اللّه في هضم جانب أخيه ، بصاحب مصر يومئذ أحمد بن طولون ، وكان ملكا شجاعا فاتكا ، صاحب جيوش وجنود ، كثير الأموال والخزائن ، مستقلا بمملكة مصر ، يأخذ خراجها ، وكانت يومئذ عامرة بأهلها كثيرة المحصول ، لرفقه برعيته وتقويته لهم ، وعدم ظلمه وجوره عليهم . وكان يحصل منها أموالا كثيرة جدا ؛ بسبب عمرتها وكانت كالروض البهيج على زهرتها ونضارتها ، وكانت خرابا أكثرها مأوى والسعداء . ولا يفرق أهلها ورعيتها ، من جور ولاتها بددا ، عمرها اللّه تعالى ، بمعدلة سلطاننا الأعظم ، وخليفة عصرنا الأكرم الأفخم ، الذي عمر بمعدلته البلاد سلطان السلاطين ، السلطان مراد ألهمه اللّه تعالى العدل والرفق بالعباد .