محمد بن أحمد النهرواني

146

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

يا خيزرانة هناك ثم هناك * أضحى يسوس العالمين ابناك وكان فصيحا بليغا كثير العبادة ، كثير الحج والغزو ، وكذلك يقول بعض الشعراء : فمن يطلب لقاءك أو يرده * ففي الحرمين أو أقصى الثغور وكان يحج عاما ويغزو عاما ، وقد يجمع بينهما في عام واحد ، وكان يصلى في خلافته كل يوم مائة ركعة ، لا يتركها إلا لعلة ، ويتصدق كل يوم بألف درهم ، ويحب العلم وأهله ، ويعظم حرمات الإسلام ، وبلغه عن بشر المريسي ، أنه كان يقول بخلق القرآن ، فقال : لئن ظفرت به ؛ لأضربن عنقه . وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضل بن عياض ( رضى اللّه عنه ) ، ويعظمه ، وكان يبكى على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه ، وكان قاضيه الإمام ، أبو يوسف ( رضى اللّه تعالى عنه ) ، وكان يعظمه كثيرا ، ويمتثل أمره ، ويروى عن أبي معاوية الضرير ، قال : أكلت مع الرشيد يوما ، وصب على يدي من لا أعرفه ، ثم قال : أتدري من صب عليك ؟ قال : أنا ؛ إحلالا للعلم . وأراد الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم والقلزم ، ليهيأ له أن يغزو الروم ببلادهم ، فقال له يحيى بن خالد البرمكي : لو فعلت ذلك دخلت سفائين الروم أرض العرب ، واختطفوا المسلمين من المسجد الحرام ، فتركه ، وكانت أيام الرشيد أيام خير كأنها أعراس . وله أخبار في اللهو والملزات ، سامحه اللّه تعالى ، وله مناقب لا تحصى ، ومحاسن لا تستقصى ، وأنشد الصولي بن يعقوب بن جعفر : خرج الرشيد في السنة التي ولى فيها الخلافة إلى أطراف بلاد الروم ، وظفر ، وعاد ؛ فحج بالناس آخر السنة ، وفرق بالحرمين مالا كثيرا ، وكان رأى النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) في النوم ، فقال له : إن هذا الأمر قد صار إليك في هذا الشهر ، فاغزو وحج ، ووسع على الحرمين ؛ ففعل هذا كله في عام واحد أول خلافته ؛ ذكر ذلك الحافظ السيوطي وغيره .