محمد بن أحمد النهرواني
139
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وأما المكان الذي يسعى فيه الآن ، فلا يتحقق أنه بعض من المسعى ، الذي سعى فيه رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) أو غيره ، فكيف يصح السعي فيه ؟ وقد حول محله ، كما ذكره هؤلاء الثقات . ولعل الجواب عن ذلك : أن المسعى في عهد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) كان عريضا ، وبنيت تلك الدور بعد ذلك في بعض عرض المسعى القديم ، فهدمها المهدى وأدخل بعضها في المسجد الحرام ، وترك بعضها للسعى فيه ، ولا تحول تحويلا كليا ، وإلا لأنكره علماء الدين من الأئمة المجتهدين ( رضى اللّه تعالى عنهم ) ، مع توفرهم « 1 » إذ ذاك . وكان الإمامان أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ( رضى اللّه عنهما ) والإمام مالك بن أنس ( رضى اللّه عنه ) موجودين يومئذ ، وقد أقروا ذلك ، وسكتوا عليه ، وكذلك من صار بعد ذلك الوقت في مرتبة الاجتهاد ، كالإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وبقية المجتهدين ( رضى اللّه عنهم ) ، وكان إجماعا منهم على صحة السعي ، من غير نقل عنهم . وبقي الإشكال في جواز إدخال شئ من المسعى في المسجد وكيف يصير حال الاعتكاف فيه ؟ وحكمه : بأن يجعل حكم المسعى حكم الطريق العام . وقال علماؤنا : يجوز إدخال الطريق في المسجد ، إذا لم يضر بأصحاب الطريق ؛ فيصير مسجدا ، ويصح الاعتكاف فيه ، حيث لم يضر بمن يسعى ، فاعلم ذلك ، وهذا مما تقرر بيانه ، وللّه الحمد على التوفيق لتبيانه . * * * فصل [ في التعدي على المسعى في أيام دولة الجراكسة ] ومما يلائم ما نحن فيه ، من عجيب ما نقل ، في التعدي على المسعى الشريف ، واغتصابه ، ما وقع قبل عصرنا هذا بنحو مائة عام في أيام دولة الجراكسة في سلطنة الملك الأشرف قايتباى المحمودي ، سامحه اللّه تعالى .
--> ( 1 ) في ( س ) : توفيرهم .