محمد بن أحمد النهرواني
140
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
ومحصله : أنه كان له تاجر يستخدمه قبل سلطنته في زمن إمارته ، اسمه الخوجا شمس الدين محمد بن عمر بن الزمن ، كان مقربا منه بعد سلطنته ، ويتعاطى له متاجرا مع دينه وخيرته ، ومآثره الجميلة ، واعتقاده في العلماء والصلحاء ، واتصافه بطلب العلم أيضا . وكان السلطان قايتباى أرسله إلى مكة ليتعاطى له تجارة ، وليعمر له جانبا من الحرم الشريف ، ومن الحجر الشريف ، ومن جوف الكعبة . وهو الذي أمره بعمارة المسجد الشريف النبوي بعد الحريق المشهور الواقع في سنة 88 ه ، وبنى له المدرسة التي في المدينة الشريفة ، وأجرى عين الزرقاء بالمدينة ، وعين خليص من طريق المدينة ، وعين عرفات ، وغير ذلك من الخيرات الجارية إلى الآن . غيري أن حب الجاه ، ونفاد الأمر أوقعه فيما نذكره ، وهو أنه كان يبنى ميضأة أمر بعملها السلطان الملك الأشرف بن الناصر حسن بن قلاوون ، وكانت في مقابلة باب على ، يحدها من الشرق بيوت الناس ، ومن الغرب المسعى الشريف ، ومن الجنوب مسيل وادى إبراهيم الذي يقال له الآن : سوق الليل ، ومن الشمال دار سيدنا العباس ( رضى اللّه عنه ) الذي هو الآن رباط يسكنه الفقراء ، واستأجر الخوجا شمس الدين بن الزمن هذا الميضأة ، وهدمها وهدم من المسعى مقدار ثلاثة أذرع ، وحفر ساسه ليبنى بها رباطا لسكن الفقراء ؛ فمنعه من ذلك قاضى القضاة بمكة ، عالم المسلمين وقاضى الشرع المبين ، القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن ظهيرة الشافعي ، فلم يمتنع من ذلك ؛ فجمع القاضي إبراهيم محضرا حافلا ، حضره علماء المذاهب الأربع ، ومن أجلهم مولانا الشيخ زين الدين قاسم قالطوبغا الحنفي رئيس العلماء الحنفية يومئذ ، والشيخ شرف الدين محمد بن عبيد الحنفي ، والشيخ علاء الدين الزواوى الحنبلي ، وبقية العلماء المكيين والقضاة والفقهاء . وطلب الخوجا شمس الدين بن زمن ، وأنكر عليه جميع الحاضرين وقالوا له : في وجهك ، إن أرض المسعى كان خمسا وثلاثون ذراعا ، وأحضر النقل