محمد بن أحمد النهرواني

132

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

جعفر المنصور مكة ، وكان يخرج من وسط دار الندوة إلى الطواف آخر الليل ، وساق الحكاية بطولها . قال النجم عمر بن فهد ( رحمه اللّه تعالى ) : وفي سنة 58 ه ، عزم على الحج أبو جعفر المنصور ، وكان يريد قتل سفيان الثوري ( رضى اللّه عنه ) فلما وصل إلى بئر ميمون ، بعث إلى الخشابين ، فقال لهم : إن رأيتم سفيان الثوري ، فأصلبوه ، فجاءوا ونصبوا له الخشب ، وكان جالسا بفناء الكعبة ، ورأسه في حجر فضيل بن عياض ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة ، فقيل له : يا أبا عبد اللّه ، قم واختف ، ولا تشمت بنا الأعداء ، فقام إلى أستار الكعبة ، وأخذها ثم قال : برئت منه إن دخلها أبو جعفر ، وعاد إلى مكانه فركب أبو جعفر من بئر ميمون ، فلما كان بين الحجون سقط عن فرسه ؛ فاندقت عنقه ، فمات لوقته . فمن سابع ذي الحجة ، وقت السحر ، فحروا له مائة قبر ، ودفنوه في واحد منها ، ليعمى قبره عن الناس ، وبرأ اللّه منهم ، قسم عبده سفيان ، فانظر إلى عباد اللّه المخلصين ، وإدلالهم على جناب قدس رب العالمين ، وكيف حال أهل الدنيا المغرورين ؟ وكيف تضمحل عظمتهم في عظمة سلطان السلاطين ؟ وما أحقر سلطنة البشر المخلوق من ماء مهين ، وما أسرع زوال ملكه ، وصيرورة عبرة للمعتبرين ، إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ، وعظمة لمن أراد أن يتذكر عواقب هذه الاغترار ، ويعلم أن الملك للّه الواحد القهار ، ولا شريك له في الملك ، ولا ولى له من الذل علتي الدوام والاستمرار . والمنصور هو الذي بنى مدينة بغداد ، ومولده في سنة 35 ه ، ومدة ملكه اثنين وعشرين سنة ، وثلاثة أشهر ، وعاش أربع وستين سنة ، وكان رأى مناما يدل على قرب أجله ؛ فعهد إلى ولده محمد ، وصار إلى الحج ، وتوفى كما ذكر . وولى بعده الملك والخلافة أبو عبد اللّه ، ولقبه المهدى ، ثالث من ولى