واصف جوهرية

59

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

مدينة القدس الدولة من جندرمة وبوليس ويوليوس سواري وجمال هجين يركبونها في بدلاتهم الرسمية وإني أذكر جليا هؤلاء الأشخاص أمثال مصطفى أفندي الصالحاني ، محمود أفندي جار اللّه ، عبد القادر العلمي ، الحاج خليل رصاص وغيرهم يسيرون بانتظام باهر ومن خلفهم فضيلة القاضي والمتصرف في عربة خاصة حتى يصلوا رأس العامود وهناك يصير لهم استقبال رسمي في صالون خيمة ضخمة من قبل رئيس بلدية القدس فتقدم لهم الشرابات الباردة والقهوة ثم يسيرون بعد ما يلقوا جميع الأعلام ويركب من يركب العربات أو الخيل إلى أن يصلوا مقام النبي موسى . والجدير بالذكر أن الشوارع الرئيسية من أبواب الحرم إلى رأس العامود من فوق سور المدينة والتلال الواقعة على جهتين الشارع الرئيسي والمستعملة مقابر إلى نهاية رأس العامود لا يمكنك أن ترى شيء أسمه أرض بل ملآن من البشر وأخصهم السيدات المسلمات اللذين يكرسون هذا اليوم للفرجة مع أولادهم منذ الفجر لأجل أن تحتفظ الواحدة بمحل ولو مقعد على أعلى السور . وإني أؤكد للقاري أن أغلب الأهالي تترك بيوتها في ذلك النهار وتتناول الطعام في الشوارع بواسطة البائعين المتجولين من جميع أشكال الأكل والشراب والنقرشات والحلوى والفواكه والخضار ، كما أنه كنت تجد أشياء تعرض للبيع من ألعاب الأولاد والعصي وعلب السكاير والنرابيج والأراكيل وغيره التي يتعذر أن تجدها في الأسواق . وإني أذكر مرة بأن شخصا مصريا على ما أعتقد بأنه كان يبيع خيزرانات ويتجول بين سيدات المسلمين وينادي بأعلى صوته " ربي زوجك بقرش " ثم عندما كان يتجول بين الرجال يعكس الآية ويقول " ربي مراتك بقرش . " يبقى هذا الموكب في مقام النبي موسى في الغور لمدة أسبوع وفي أثناء هذه المدة يصادف أحد الشعانين فإليك ماذا يحدث : أحد الشعانين المقدس " تقاليد المسلمين " يتحرك موكب أهالي مدينة خليل الرحمن بعد ظهر نهار السبت بأعلامه وطبوله وكاساته تحت قيادة رجال الدين ومفتي وأعيان مدينة الخليل وكانت العادة تتناول هذه الناس جميعها طعام العشاء على مائدة المرحوم سليمان جاسر المشهور آنذاك في الجود والكرم وهو من خيار عائلات وأغنياء مدينة بيت لحم وذلك في قصره الواقع بجوار قبة راحيل طريق بيت لحم . وفي صباح نهار الأحد نهار أحد الشعانين يدخل القدس في احتفال مهيب ، فتستقبلة رسميا حكومة القدس في باب الخليل كذلك يستقبله أهالي القدس المعروفين من أعيان المسلمين والشباب بالأهازيج والأناشيد الوطنية . فإني أؤكد للقارئ أن هذا الموكب يسير ببطىء بمدة لا تقل أحيانا عن الأربع ساعات في طريق المحطة التي تبدأ من بركة السلطان لغاية باب الخليل ، وتكون الجهات الواقعة على ضفتي هذه الطريق ملآنة من المتفرجين من نساء وأولاد وخصوصا على جبل صهيون يكونون منذ الفجر حتى يتمكن الواحد بحجز مقعدا على الأرض يتسابق عليه ليشاهد هذا المهرجان القومي وأما الرجال فتكون في مقاهي باب الخليل قهوة المعارف وقهوة البلور التي كانت مقامة في الزاوية العائدة لوقف العنابوسي والقهوة المعلقة والمعروفة بقهوة البنك لأنها كانت مستعملة بنك . وبالاختصار يصل الموكب قريب الظهر ويدخل من الثغرة المفتوحة بسور المدينة والتي فتحت خصيصا عند دخول جلالة إمبراطور ألمانيا غليوم جزء من قصر جاسر في بيت لحم . الصورة حديثة من كتاب ذاكرة منحوتة في الصخر من منشورات مؤسسة رواق في البيرة .