واصف جوهرية
56
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
فلا يمكنك أن تسير بين هذه الجموع إلا بصعوبة فائقة والجميع في هرج ومرج وفرح وسرور من مسيحيين ومسلمين لا فرق بين الجنسين . « 1 » وأن لي ذكريات عظيمة في هذه الشطحات وأمضيت أوقاتا عظيمة ليلا ونهارا في الموسيقى مع كثير من أهالي القدس وأدون في صفحات هذا الكتاب . وفي ثاني يوم من نهار البرامول « 2 » يكون العيد المجيد لسيدتنا العذراء مريم وتدخل الكنيسة في التسعة أيام التالية من العيد بما يسمونها التاسع وفي هذه المدة ينزل كل من له نذر في الصباح الباكر وربما الساعة الرابعة صباحا ومنهم ( حفايا بدون ما يلبسون الكنادر ) من المدينة إلى مقام سيدتنا مريم ( وكل امرء ما نوى من النذر ) ويضيء الشموع الصغيرة على درج الكنيسة عندما تدخل مدخلها الرئيسي وخصوصا عندما تكون في أسفل الكنيسة حذاء القبر المقدس فترى الكنيسة أجمعها وكأنها شعلة من النور . وعند نهاية التسعة أيام بمثل رجال البطريركية الأرثوذكسية جناز السيدة العذراء مريم باستعمال نموذج مصنوع بدقة من اللؤلؤ الأبيض والحجارة الكريمة قياسه حول المتر فيحمله رئيس الكنيسة ( من على السرير ) بين يديه وأمامه المطارنة والخوري والرهبان يرتلون ويسيرون بموكب فخم يضم جموعا غفيرة من البشر من قبر العذراء في الشارع المؤدي إلى باب الأسباط ثم طريق الآلام فعقبة المفتي ثم درج الخانقة والخمارات فحارة النصارى وينزلون الدرجات المؤدية إلى كنيسة القيامة ويحفظون هذه الايقونة الثمينة في دار سيدتنا مريم المقابلة لباب كنيسة القيامة بجانب جامع عمر . هذه لمحة وجيزة عن عيد السيدة مريم العذراء والبرامول يوم الشطحة ثم التاسع تتمتع بهذا العيد والمهرجان أهل بيت المقدس بالبهجة والسرور والمحبة بين الجميع بدلا من البحور والأنهر والمقاهي والكبريهات وغير ذلك من النزهة الموجودة في البلاد الأخرى . وأن أنسى لن أنسى ما كان يزور أماكن هذه البلاد المقدسة من ألوف الروس اللذين كانوا يسكنون في المعاهد الروسية المنتشرة في فلسطين ويتجمعون في كل مناسبة احتفال ديني من هذه الاحتفالات ويشتركون مع رجال الدين بأصوات تراتيلهم الشجية وخصوصا بمناسبة عيد الفصح كما سيجيء البحث عنه مفصلا في حينه من كتابي هذا . حالة مدينة القدس في أسبوع عند الفصح المجيد لدى المسيحيين والمسلمين واليهود بين 1900 إلى 1914 بصفتي معاصر الحكم العثماني والبريطاني عزمت على دمج وصف الأعياد لدى الثلاث ملل [ يقصد بها الأديان ] في أسبوع عيد الفصح المجيد لأبين للقارئ صورة واضحة عن حكم وإدارة العهد العثماني . نعم إنني لا أنكر بأن الأتراك يعتبرون بالمستعمرين أيضا ولكن المهم في الأمر هو أن الأشخاص والحكام والمدراء والجندرمة والبوليس كانوا لحسن الحظ من خيار أهل المدينة فإذا ما وقع حادث فكان يحل بالتي هي أحسن وبوجه السرعة والعدل بين الأهلين لأنه كما قال المثل أضرب الأرض باللي خايرها ! ! ولأن أشخاص قلائل أتراك كانوا يرسلون إلى بلادنا ليس لهم قيمة سوى
--> ( 1 ) يقصد بها الكاتب اتباع الدينين . ( 2 ) البرامول : هو وقفة العيد .