واصف جوهرية
55
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
هذه الاحتفالات التي سأوصف البعض منها في هذا الكتاب والتي تعتبر التسلية الوحيدة بطريقة وأسلوب ديني لترفيه الشعب على إختلاف مذاهبه وطوائفه في بحر السنة فمثلا نبتدي ب : شطحة ستنا مريم عليها السلام عندما نبدأ بصوم سيدتنا العذراء كانت العادة أن يقضي أفراد طائفة الروم الأرثوذكس وعائلاتهم مدة خمسة عشر يوما من 31 تموز شرقي « 1 » إلى 15 آب الشرقي من السنة في الوادي تحت أشجار الزيتون حول مقام قبر سيدتنا العذراء مريم الواقع من الجهة الشرقية من القدس . فترى في هذين الأسبوعين العائلات العديدة يقضون نهارهم وليلهم تحت الأشجار وينصبوا الحرامات أو الشراشف أو ( الإيزار ) في طرف أغصان شجرة الزيتون متدليا إلى الأرض ليقيهم وأولادهم من الندى وحر الشمس ، وأما الثري منهم فإنه ينصب خيمة جميلة ويقضي أوقاته الجميلة ضمنها . الجميع يكونوا صياما ويكثرون من الفواكه الكثيرة والخضار في ذلك الفصل من السنة ومنذ عصيرة كل يوم يبدأون بشرب الخمور فمنهم من يغني على الدربكة أو الدف ومنهم من التف حول عازف عود أو كمان يردد ما أنشده المغني والعازف فيكونون جماعات ملاصقة لبعض البعض إما على ضوء القمر أو يشعلون لامبات الكاز وفي المدة الأخيرة اللوكسات ، وكل عائلة من سكان هذه الشوادر والخيم وتحت الزيتون تنهمك بضيافة من يزورها من الأهل والأصدقاء بلا استثناء فعندما يحضر أي شخص ويطرح السلام يقدم له مثلا كأس العرق أو النبيذ أو غيره وفي اليد الأخرى يقدم له المازة . إنك يخيل لك وأنت في هذا المهرجان بأنك في عرس فتستمع إلى الشوباشات من الرجال ثم الزغاريت من النساء والغناء مع العزف من كل من وجد في تلك الجمعة وكانت العادة بعد ما ينتهي الرجال من الشوباش تطلق الشباب من مسدساتها وبنادقها النار بصورة تثير العواطف لما لهذه الأصوات في سكون الليل وصدى الوادي من روعة وطرب إلى ما بعد منتصف الليل وعند الصباح يذهب الموظف أو التاجر أو العامل إلى عمله ويرجع بعد الظهر من كل يوم إلى أن يحين العيد . أما وقفة العيد وما يسمونها بالشطحة فإنه يوم مشهور لدى الجميع وخصوصا في هذا الزمن أي من سنة 1900 إلى 1914 فكانت الحكومة تتفانى لعطف غبطة البطريرك ذميانوس وذلك لكرمه الحاتمي ، 43 فكنت تجد فرقة الموسيقى التابعة للجيش تعزف الألحان من صباح ذلك اليوم إلى منتصف الليل في صالون خيمة خاصة ومعها طابور من الجيش ثم سعادة المتصرف وأعيان الدولة في صالون آخر خيمة وجميع هذه الأمة تتناول الطعام من خراف محشية طيلة النهار المقدمة من البطريركية الأرثوذكسية . أما المتفرجين من غير الطائفة الأرثوذكسية فتكون في هذا اليوم منتشرة على الطرفين من أول باب الأسباط على المقابر والتلال والشوارع إلى قريبا من رأس العامود فهناك من يتأرجح في المراجيح الخاصة للأولاد وهناك من يشتري الدربكات الصغيرة والزمامير للأولاد وهناك من جالس على المقهى البلدي في طرفي الشوارع حول مقام سيدتنا العذراء
--> ( 1 ) التقويم الشرقي وهو الجولياني وهو متأخر 14 يوم على التقويم الغربي الجيروغري السائد اليوم .