واصف جوهرية
52
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
محمود الأرناؤوط ، وأمام العم إبراهيم البيروق طاولة وعليها صينية نحاس أصفر تضع زبائن المقهى ما تجود بها أنفسهم من متاليك مقابل استماعهم لهذه التسجيلات . فكنت أقف وأرمي المتليك في الصينية وأقول له عمي سمعني مثلا باللّه مرحمة وصبرا للغد للشيخ سلامة حجازي . وبسرعة فائقة يضع يده في الصندوق ويخرج هذه الأسطوانة ( وهو ضرير تماما ) فكنا نعجب كيف بإمكانه معرفتها ! ! ثم نستمع إليها ونحن واقفين إلى أن تنتهي الأغنية . وبهذه المناسبة أذكر للقاريء ما قاله الأستاذ كامل الخلعي الموسيقار المشهور في كتابه إذ قال " أن السماع له كالأكل على الأسنان المصنوعة " ، أما أنا فأقول والحق يقال أن بواسطة اختراع الفونوغراف انتشرت الموسيقى على إختلاف أنواعها في العالم وأصبحت عالمية وسهلة الاستماع إليها والتذوق منها ومعرفة الصالح والغير صالح منها لدى كل الشعوب فنعم هذا الاختراع ورحم اللّه من كان سببا في إيجاده كما وإني أحمد اللّه الذي كان ذلك على زماننا . زيارة سمو البرنس فريدريك ايتك القدس كنت تلميذا في مدرسة الدباغة للألمان عندما زار مدينة القدس سمو البرنس [ الأمير ] فريدريك أيتل نجل جلالة إمبراطور ألمانيا غليوم . وقد جاء خصيصا لإفتتاح عمارة الأوغستا فكتوريا ( أم الطلع ) « 1 » على جبل الزيتون وقد افتتحها باحتفال مهيب يليق بمقامه السامي وهي ولا شك من أعظم وأقوى عمارات الشرق العربي آنذاك على ما أعلم . كانت زيارة سموه للقدس سنة 1910 وقد لبسنا أفخر ما عندما من لباس واستقبلناه عندما حضر قداس إلهي في كنيسة الألمان ( الدباغة ) وكان يوم ابتهاج وسرور لدى الدولة والشعب . والجدير بالذكر أن المرحوم متري المستكلب ، الذي كان فاتحا مقهى في دكان صغيرة واقعة على يدك اليمين عندما تدخل السطح الشرقي من جهة باب خان الزيت ومن أملاك دير أبونا إبراهيم ، فرق الجمهور المجتمع لاستقباله فدخل بينهم ووقف أمام سمو البرنس وبيده إبريق قهوة فكبه [ أي سكبه ] على الأرض . وهي عادة قديمة كانت تستعمل عند الأهلين في ذلك الوقت بمعنى أن يكون مروره سعادة وهنا ويسر . فتقبل سمو البرنس هذا الإكرام بالشكر وأمر المسؤول فدفع له ليرة ذهب . وإني أحتفظ بصورة طريفة وسموه يفتتح بناء الأوغستا فكتوريا وحوله أشخاص نادرة من أهل بيت المقدس وذلك ضمن المجموعة الجوهرية [ الفوتوغرافية ] . حي المصرارة خارج سور المدينة منذ سنة 1860 عندما أنشأت مدرسة شنللر للأيتام تشجعت الأهلين على توسيع مدينة القدس والسكن خارج السور تدريجيا فقد أنشأت قوميانية « 2 » مياشعاريم ومن جاورها من القوميانيات للسكناج واليمن من اليهود ثم قوميانية النجارلية وقد اتصلت بعض هذه القوميانية إلى الجهة الغربية من القدس شارع يافا فأنشأت عمارة المسكوبية العظيمة وعليه أصبح في أوائل قرن العشرين أصبحت ثغرة فارغة ما بين هذه المنشآت وبين سور المدينة من جهة باب العامود .
--> ( 1 ) المعروف اليوم بالمطلع ويبدو أن المطلع هو تحريف لأم الطلع . ( 2 ) القوميانيات : تحريف عربي لكلمة كوميون ( المستوطن المشاعي ) وهو تعبير استعمل عموما لمساكن اليهود الغربيين والكيبوتسات لاحقا بشكل خاص .