واصف جوهرية

51

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

متري المنى جاء بهذه الآلة لأول مرة فاجتمعت جميع الجيران من كبار وصغار وكنت أنا وإخواني في أول الركب ، فقد شاهدناه ودهشت عندما سمعنا الصوت من الأسطوانة اللولبية الشكل - صوت واضح مسموع لدى الحضور وزيادة على ذلك كانت سماعات تتصل بأذني الراغب بواسطة برابيج كوتشوك فيستمع السامع لصوت أكثر وضوحا . بدأ المرحوم متري يسجل من بنات الجيران التراتيل مثل رن صوت في الأعالي ، نزرع صباحا ، هذا هو اليوم السعيد ، ثم بعض الزغاريت لنور المنى وزمردة وهيلانة المنى ثم بعض الأغاني الدارجة في ذلك الوقت ثم جئنا أنا وتوفيق بدورنا فسجلنا ما تيسر وأذكر بأنني سجلت " الغصن إذا رآك مقبل سجد " ، ثم الأغنية الدرزية " في حكم السبع سلاطين " المدونة في مكان آخر من هذا الكتاب « 1 » . سجلنا جميع هذه المقطوعات بواسطة ساعة وفيها إبرة تسجيل خاصة وبعد انتهاء التسجيل غير المرحوم متري هذه الساعة لساعة أخرى الخاصة لسماع الأصوات المسجلة وهكذا سمعنا لأول مرة صوت كل واحد منا ونحن في دهشة غريبة جدا وقلنا علم الإنسان ما لم يعلم صدق اللّه العظيم . ملاحظة : تمسح الأسطوانة بالكاز ويعاد التسجيل عليها . فونوغراف رقم 2 العادي ( كالأكل على الأسنان المصطنعة ) لم يكن هناك إقبالا محسوسا لإقتناء أول فونوغراف أديسون لدى الشعب في مدينة القدس لسببين أظن أنهما : لأن ثمنه كان غاليا بالنسبة إلى الرخاء في ذلك الزمن واستنادا لقولي أعلم القاري بأن المرحوم يعقوب سعيد اشترى هذه الآلة بخمس وعشرين ليرة فرنساوي وعليه لا أظن أن أكثر من عشر آلات بيعت من هذا الشكل لبعض الأغنياء من الأهالي فقط . والسبب الآخر هو عدم وضوح الصوت للحضور وعلى كل حال وبمدة ليست طويلة إذ ورد إلى القدس الفونوغراف المعروف ليومنا هذا ذات الأسطوانات المستديرة من ماركة His Master's Voice وبوليفون وكرامافون وغيرها بصورة واسعة جدا وبدأنا لإستماع المنشدين والعازفين المشهورين وخصوصا من مصر . جاءت أسطوانات المرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي ومحمد عثمان والشيخ سلامة حجازي ومحمد سالم العجوز وعبد الحي حلمي وداود حسني وزكي مراد وغيرهم من أدوار وقصائد وموشحات وخصوصا من الصفتي . وهكذا انتشرت الموسيقى انتشارا واسعا مبتدئة من المقاهي . فكنت على ما أذكر عندما آخذ متليك « 2 » من والدي أذهب إلى المرحوم إبراهيم البيروتي وكان ضريرا يملك آلة فونوغراف كبيرة جدا تحتوي على أربعة زمبركات ولها بوري من النحاس الأصفر ملتوي ثم له فتحة كبيرة لتكبير الصوت . والجدير بالذكر أنه خوفا عليه من العين [ أي الحسد ] كان يجلل [ أي يغطي ] هذا البوري باليانس الأحمر ويعلق عليه خرزة كبيرة لون الأزرق مع الشبة [ الشبة هي مادة كيماوية تشبه الأحجار ] ورأس الثوم ويحيط على دائرة هذا البوري بعض رسوم السيدات الجميلة ومنها الفنانين . كان هذا الفونوغراف موضوعا على رصيف مقهى علي زحيمان العم أبو زهدي في الشارع باب العامود وبجانب هذا الفونوغراف صندوقين من الخشب ملآنة أسطوانات من مختلف أساتذة الموسيقى في ذلك الزمن يحافظ عليها

--> ( 1 ) أنظر صفحات 40 و 41 . ( 2 ) متليك : أصغر قطعة نقدية معدنية عثمانية .