واصف جوهرية

46

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

أجير حلاق في فرصة المدرسة الألمانية كان المرحوم متيا من طائفة لاتين القدس مشهورا في صناعة الحلاقة وكان وكأنه الطبيب فمن أراد تركيب كاسات دم « 1 » أو علق أو غيره أو وصفات عربية يجد المعلم متيا أبو عبد اللّه دكان محلة في دكان عائدة لأوقاف الخاناقاة مقابلة للزقاق المؤدي إلى محلة حارة النصارى لسكن الطائفة وكان شريكا لعيسى زيادة من الطائفة أيضا . كان أبو عبد اللّه صديقا إلى أخي خليل وهكذا وبواسطته اشتغلت مدة شهرين سنة 1907 الصيف كأجير حلاق فكنت أمسك رقبة الزبون عندما يغسل أبو عبد اللّه رأسه من الخلف خوفا من نزول الماء على ظهره . أما الماء فكانت تصب بواسطة سطل نحاس في أسفله حنفية تصب على رأس الزبون وتنزل من رأسه إلى لكن [ أي وعاء غسيل كبير ] نحاسي داخل في رقية الزبون . كنت مسرورا جدا بهذه الشغلة وعند المساء كان أخي خليل ومحمد المداح من أشاوس محلة باب العامود وكان سمانا يعامله والدي وقد علم خليل الرجولية فيأخذوني إلى الأوضة « 2 » في محلة باب العامود أدق لهم على الطنبورة وأغني . وكنت في أثناء عملي هذا في النهار أترك الدكان وأستمع إلى السيد حسين النشاشيبي عندما كان يعزف على عوده في دكان حلاق أبو مناويل ملاحق إلى المعصرة التي تخص والد حسين المعروف بالشيخ خليل النشاشيبي . أما تقاسيم حسين النشاشيبي فكانت والحق يقال روعة وقد أخذها قطعة قطعة من أحسن معلمي العود آنذاك المصري المعروف بال [ . . . « 3 » ] فأطرب وأعجب أيما إعجاب وأقول في نفسي متى أصير أعزف على آلة العود يا ترى ؟ كذلك كنت عندما أترك مدرسة الدباغة أعرج فأستمع إلى محمد السباسي أو عبد الحميد قطينة عندما كانا بالصدف يعزفون على عود عند عامل الأعواد فرح القرعة في الدكان الملاصقة إلى مدخل سطح القيامة الشرقي والمؤدي إلى خان الزيت . وكنت أجن فرحا وأتمنى لو كان بالإمكان مسك هذه الآلة والتحدث إلى من يعزف عليها ثم أترك وأرجع إلى الدار وكل أفكاري بالعود . طنبورة رقم 2 : دخولي إلى صنعة الموسيقى ( 1907 ) بمناسبة عيد القديس ديمتري وطبعا كان عيد جارنا متري عبد اللّه المنى فكان يوما سعيدا ، جمهور مجتمع من جملة عائلات الطائفة وقريب الغروب إذ حضر متري قسطندي المنى صاحب الصوت الرخيم ومعه متري الزائر نافخ وعازف الفلوت المبدع . وكما قلت سابقا أن هذه الاحتفالات كانت تجري في دار الجوهرية بحضورنا وعلى الأخص أنا بعد ما تعلمت الدبكة والعزف على الربابة والطنبورة طنبورة الحاج محمد المغربي ، فقد غنينا أنا وأخي توفيق واستمعنا إلى المنى والزائر وأخذ حظنا منه جانبا من الليل وإذ حضر قسطندي الصوص وأخيه عيسى وكان قسطندي الصوص من طائفة الروم مشهورا في الغناء والعزف على العود ويجيد إلقاء أغاني الشيخ سلامة حجازي وأما أخيه عيسى فكان يضرب الدربكة ضربا جميلا فاستمعت إليهما لأول مرة وطلب مني أن أغني لهم فغنيت ثم دبكت ثم عزفت

--> ( 1 ) كاسات الدم وتعرف أيضا بكاسات الهوى وهي وصفة محلية شائعة تستخدم للتداوي من بعض الأمراض . ( 2 ) راجع المقدمة لهذه المذكرات . ( 3 ) ناقصة في الأصل .