واصف جوهرية

47

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الربابة وأخيرا غنيت روميو وجولييت قصيدة الشيخ سلامة حجازي وقسطندي الصوص يعزف معي على عوده فأعجب مني ومن صوتي وطريقة إلقائها بصوتي العالي وأنا ربما في التاسعة من عمري وقد طربت جدا عندما سمعت صوت قسطندي الصوص فسلمني عوده وهكذا جن جنوني فصرت أنقر عليه وأحاول وضع الأصابع على الزر الأول فأنطقت أغنية زينة زينة وكان من الحضور نخلة الهشة الصديق الوفي لمتري عبد اللّه فكانت ليلة من العمر فالجميع في فرح وسرور والسيدات تزغرد والرجال تشوبش عندما يتوقف العزف والغناء إلى بعد منتصف الليل . قال لي قسطندي الصوص تعال غدا لبيتنا محلة الواد عقبة المغني فأعطيك ( يد عود ) جميلة فتركبها على عود صغير وتكون لك أحسن وأكبر من هذه الطنبورة ولكن نخلة الهشة قال لا أنا عندي قرعة كبيرة قديمة ناشفة فيمكنك وضع يد العود عليها فتكون أحسن . أخذت الوعد من الصوص والهشة ولم أستطع أن أنام في تلك الليلة و [ في الصباح ذهبت ] عند الصوص فأعطاني يد أورقة العود جميلة جدا فأخذتها شاكرا ودبكت له دكدوكة فسر هو وعائلته . وثاني يوم ذهبت إلى نخلة الهشة وكان نجارا مع أخيه في عقبة دير الروم فأخذني إلى مخزن الخشب العائد له والواقع بجانب دار الخوري يعقوب البرامكي القديمة تحت القنطرة بجوار دير القديس نيقولاوس ( قبل هدم دار البرامكي ) فدخلت معه في ذلك المخزن المظلم وبصعوبة جدا وجدنا القرعة ما بين الخشب فأخذتها وشكرته . ولما كان أخي خليل يشتغل نجارا عند متري أبو شنب ركب يد العود على القرعة وعمل وجه القرعة من ( فنيري معاكس كان يستعمل لخلف العربات ) آنذاك فأصبحت جاهزة طنبورة ذات ثلاثة أوتار ولكن بقي علينا المهم جدا ( القمرة ) فأخذ والدي الطنبورة وبواسطة الموس قد حفر ( قمرة ) رسمة جميلة في وسطها وكان يحفر القمرة جالسا في كشك الصالون من دار الجوهرية والثلج ينزل بغزارة في القدس وهي سنة السبع ثلجات ربما سنة 1907 وهكذا أنجزنا الطنبورة فترقيت في الفن وصرت أعزف عليها إنما لصغر مسافة طول الوتر أي يد العود والقرعة كنت أستعمل أصابع اليد الواحد بجانب الآخر يشبه العزف على المندولين . يا هو يأخذ الصوص وأخوه كانت العادة المتبعة بين شلة متري المنى في السهرات وليالي السمر عندما يتجلى الموقف ويكونوا مجتمعين ومعهم المضحك المشهور أحمد جاموس من عائلة شتية في القدس يختمون السهرة في آخر الليل ببعض الموشحات الدينية مثل يا راحلين إلى منى بقيادي ثم يصرخ أحمد جاموس بأعلى صوته قائلا : يا هو فيرد جميع الحاضرين ويقولوا " يأخذ الصوص وأخوه " أي قسطندي الصوص المغني وأخيه عيسى ضارب الدربكة اللذين يكونوا ضمن هذه الشلة . ومع الأسف الشديد أن عيسى الصوص المومى إليه قد مات شنقا من قبل السفاح جمال باشا في الحرب العظمى الأولى مع شخص آخر من عائلة القندلفت شنقا على المشنقة خارج باب الخليل . وقد رأيتهما وبكيت حزنا عليهما وإني أحتفظ بصورة المذكورين وهما مع جملة أشخاص آخرين على أعواد المشانق في المجموعة الجوهرية تظهر زمن الاستبداد ومظالم