واصف جوهرية

45

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

أعتقد بأنه كان غريبا عن فلسطين طاعن في السن قذر كان يسكن في دار الشيخ حسن الدنف وكان أعزبا ينام في غرفة صغيرة ملآنة من العقاقير المختلفة الألوان والأشكال وكلها من صنع يديه وإني أقدم لمحة وجيزة عن طبة الطريف : وقع أخي توفيق وهو ربما في العاشرة من عمره بمرض المفاصل " أرثريت " فكان يتألم ومرات كثيرة يتيبس مفصل يديه ورجليه ولم ينجح على أيدي الأطباء الغربيين « 1 » أمثال الحكيم جورج وفوتة اليونانيين وقد صادف أن مرضه الحكيم النصراني فكان يحضر عند المساء ويغلي الخبيزة ويهبل توفيق عليها ثم يفرك موضع الألم ويذهب . وعند الصباح يرجع لكي يطمئن على مريضه ويسأل الوالدة " كيف الصبي يا أم خليل ؟ " الوالدة : واللّه نام مرتاح هذه الليلة الحمد للّه . الحكيم : أضربي كفك هون ويمد كفه لها فتضرب على كفه ثم يقول إلا لو أنني لابس برنيطة « 2 » لكان اسمي انتشر في العالم ولكن إنني ألبس الطربوش . ومثلا يرجع في يوم آخر ويسأل كيف الصبي يا أم خليل ؟ الوالدة : واللّه يا دكتور الليلة غلبنا جدا . الحكيم : ليش إبصر شو مخربط بالأكل معلوم مش ممكن أنا أعرف شغلي وهكذا . المغني محمد العاشق إني أذكر ليالي المنشد وعازف العود محمد العاشق بمنتهى التأثر والسرور فقد كان يحضر إلى القدس في فصل الصيف وكان يتفق مع أصحاب مقهى الهوسبيس « 3 » محلة الواد وأمام هوسبيس النمسا ويجلس على منصة خشبية مرتفعة في إحدى زوايا مفترق الطرق الرئيسية المقابلة للهوسبيس ويغني بصوته الحنون العالي ويعزف على عوده والناس جالسين من حوله وعلى رصيف كل شارع من تلك المحلة يشربون الشرابات والأركيلة والقهوة وكأن على رؤوسهم الطير ، إنما كنت تسمع كلمة اللّه يا سلام كما باللّه عليك يا أستاذ عندما يطربون لقطعة مطربة من الحانه العذبة وخصوصا في ليالي رمضان فقد كان رحمه اللّه يزيد التجلي والإبداع في الغناء إلى أن يحين الوقت ضربة المدفع وإني لا أبالغ إذا قلت أن صوته وخاصة في ذلك الوقت من سكوت الليل وعدم وجود السيارات في القدس يسمع من دار الجوهرية صافيا طبيعيا وهي مسافة طويلة لا بأس فيها . وكنت ترى أن أكثر سكان تلك المنطقة تجدهم في الشبابيك والشرفات والأسطحة يستمعن إلى مغناه العذب . أما أنا فكنت أرافق إخواني وننزل من عقبة راهبات صهيون وننزوي بجانب المقهى ومرارا كثيرة كنا نصطحب جودلة صغيرة للراحة كل منا بدوره وإني لم أزل أذكر الأغنية المفضلة التي كنا نسمعها منه طقطوقة من مقام البيات وهي جوز الحمام مني من يشتري مني ثم يعيد كلمة جوز إلى قرار العود بطريقة سلسلة مطربة وأصبحت هذه الطقطوقة دارجة لدى هواة أهل مدينة القدس من رجال وسيدات . وكنت أستمع لهذا المغني بشغف زائد وأرجو إخواني بأن نبقى هناك لمدة أكثر وأكثر حتى ينرفز خليل وكنت أتمنى من كل قلبي بأن اللّه يجمعني بهذا المغني مرة ولحسن حظي وبعد ما كبرت اجتمعت معه وغنيت وإياه وعزفت له على العود كما سأذكر ذلك مفصلا في حينه من هذا الكتاب .

--> ( 1 ) المقصود أطباء مدربين في الطب الحديث . ( 2 ) البرنيطة وهي القبعة الغربية . ( 3 ) الهوسبيس وهي المستشفى النمساوية في القدس بداخل البلدة القديمة في تقاطع طريق الآلام مع طريق الواد .