واصف جوهرية
37
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
في بناية الألمان المعروفة بالأوغستا فكتوريا " أم الطلع " « 1 » جبل الطور بالقدس بدعوة من دولة ألمانيا . وكنت أعزف لها الأغاني على الطنبورة دائما أبدا في جولاتها ما بين بيت سوسين ودير عمرو وسأخصص نبذة عنها وعن نهايتها الأخيرة في فصل آخر من كتابي هذا . تعليمي العزف على الربابة وقد صادف أن أحد المزارعين من أهل عين كارم على ما أظن كان يزرع في أراضي دير عمرو وقد لاحظت بأنه يحسن العزف على الربابة وكان اسمه " أبو صندوقة " مشهور في ذلك الوقت فجئت إلى برسفون وعرضت عليها فكرة تعليمي منه فلم ترفض طلبي وبالحال جاءت بهذا الرجل واتفقنا على أخذ دروس خاصة واشترت لي بالفعل ربابة أظن كانت من صنع يده أيضا بثمانية عشر غرشا تركيا فصار يعلمني الربابة وأنا أجتهد حتى فزت بالعلم وكان عندما يحضر حسين أفندي يسر جدا من عزفي عليها وإني أذكر أنه كثير ما كان يحمل بيديه الطعام ثم البطيخة ويقدمهم إلى المعلم أبو صندوقة ليعتني بعلمي وهكذا بمدة ثلاثة شهور أصبحت بإمكاني العزف على الربابة جميع ما كنت أحفظه من الأغاني الشعبية الفلاحية مثل " دكدوكة " ، واسمعوا يا ناس وايش قال اللبيب ، يا أبو جديلة منثورة ، على وآخ مشعل ، ع الميجنا ، على دلعونة وغيرها وقد رجعت سنة 1906 ومعي الطنبورة والربابة إلى القدس وهات يا سهر وعزف عند الجيران وخصوصا في سهرات عائلة متري عبد اللّه المنى المشهورة فصرت أتنقل بفن الموسيقى من عزف وغناء على الطنبورة ومن ثم على الربابة وبعدها أدبك أمام المعارف والأهل والأصدقاء وأنا بين الثامنة والتاسعة من عمري . وكان المرحوم والدي كما قلت سابقا يشجعني على ذلك فقد اشترى لي ذقن إصطناعية من الشعر الأسود مصنوعة بإتقان كنت ألبسها بسهولة على وجهي ولها سلكا خاصا مركزة قفا الأذنين وألعب الربابة بالألبسة العربية ولي مواقف هائلة في هذا الموضوع في كثير من البيوت ثم على المسارح المدرسية وغيرها . قطعتين من أغاني الربابة سياسية المعنى حدثني والدي قائلا : كان الشاعر المعروف في الشمال مختارا لقرية كفرعين من قضاء رام اللّه وقد تخاصمت هذه القرية بأهالي قرية أخرى مجاورة لها أعتقد بأن اسمها دير غسانة ومختارها آنذاك يدعى صالح . « 2 » كان موقع هاتين القريتين مرتع على قمم الجبال العالية وكانت الحكومة العثمانية في بلادنا آنذاك ضعيفة الشوكة والنفوذ ومتسترة بنفوذ بعض أعيان مدينة القدس ليس إلا ، وهكذا كلما تذهب قوة من الجندرمة لجلب العصاة من كلا القريتين تضربهم الأهالي من أعلى الجبال بالحجارة ويضطروا يرجعون خائبين ، وأخيرا توصلت الدولة لمساعدة المرحوم بدر أفندي الخالدي الذي تآمر مع الدولة وأحضر العصاة بطريقة خبيثة خوفا من أن يفلت زمبرك الدولة عند الفلاحين . وعندما وصل الثائرين القدس
--> ( 1 ) هكذا في الأصل - وهو المعروف اليوم بالمطلع . ( 2 ) هو والد عمر صالح البرغوثي الكاتب والمؤرخ ولاحقا الوزير في الحكومة الاردينة .