واصف جوهرية
36
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
وطبعا كل من هذه الأغاني لها دبكة خاصة وقد صادف حفلة فرح في بيت سوسين فجعلني معلمي صالح الشعراوي الماهر كما قلت في فن الدبكة وإنشاد الأهازيج أن أترأس حلقة الدبكة في العرس حاملا محرمة كبيرة ويسمونه " اللواح " فعندما أنقل حركة برجلي حسب الطريقة لتلك الأغنية تكون بمثابة مثال لكل واحد في حلقة الدبكة فيعمل مثلي وكان عمري بين الثمان والعشر سنين . « 1 » وإني أحتفظ بسجل خاص لمحفوظاتي بخط يدي يجمع جميع الأغاني المماثلة . مثل دلعونة ، يا غزيل ، وآخ مشعل ، عالميجنة وغيرها من هذه الأغاني الجميلة . وإني أذكر في هذا الصدد أن ابنة أختي ايلين بنت شفيقة كنت عندما أزور والدتها في بيت جالا وأنا صغير يسألونها " أي خال أجا ؟ " فكانت تشير بخبط رجلها على الأرض وتقول هأ هأ هأ وتعني بأن خالها الذي يدبك أي صاحب هذا الكتاب . « 2 » برسفون خليلة حسين هاشم الحسيني مضى زمن في البلاد وخصوصا في القدس كانت العادة المتبعة لأولاد الذوات من وجهاء الأسر المعروفة بالقدس الحسيني والخالدي والنشاشيبي وغيرهم أن يتخذ الواحد منهم خليلة لنفسه فيفتح لها بيتا خاصا لها ويقضي معها أوقاته فكان راغب بك النشاشيبي يحتفظ بخليلة يهودية وكان حسين أفندي يحتفظ بواحدة [ بخليلة ] يونانية من ألبانيا على جانب عظيم من الجمال والرقة تدعى برسفون وكانت معروفة لدى الأوساط المقدسية وكانت بالنظر إلى قوامها الفتان وجمالها الباهر وأناقتها في اللباس فإذا نزلت لزيارة القيامة تقول الناس بأنها ( نزل البطرك ) وقد أحضرها من استانبول ومكثت معه لمدة أكثر من سبعة عشر سنة . وقد تعلمت اللغة العربية ومنحها الحرية المطلقة في التجول وقضاء فصول الصيف في بيت سوسين وخصوصا في دير عمرو . وقد كانت تعمل أشغالا يعجز القلم عن وصفها في هاتين القريتين فاشتغلت بتقطير السعتر [ أي الزعتر ] البري بواسطة ماكينة وميزان خاص وكانت تبيع زيت السعتر بأسعار عالية للروس الذين كانوا يأتون القدس ويزورون الأماكن المقدسة بعدد كبير في كل سنة ، ثم عملت في زراعة الحبوب بالشراكة مع حسين أفندي وخليل بك الداودي وفؤاد بك بن موسى كاظم باشا وغيرهم وكان لها قطيع من الغنم الأبيض والأسود والأبقار والدجاج والحمام وغيره فكانت تعيش وكأنها ملكة لما كان يتمتع حسين أفندي به من نفوذ قوي عند أهالي القرى الذين كانوا يطيعون أوامرها وينفذونها بحذافيرها في بيت سوسين ودير عمرو . وقد تأخر بالفعل حسين أفندي عن زواجه بامرأة شرعية لوجود برسفون حتى عيل صبر والدي فعمل جهده وأصر على زواج حسين أفندي من صاحبة الصون والعفاف فاطمة كريمة محمد طاهر الخالدي فأنجبت منه أربعة أولاد . كنت أنا بوجه خاص أرافق من صغري هذه السيدة في القدس وبيت سوسين ودير عمرو فكانت تحبني جدا وكانت على صلة مع والدي وعائلتي بل عمّدت أخي فخري ، وكانت تسهل لي ما أبتغي من الزيادة في علم الأغاني والدبكة من الأشخاص اللذين يأتمرون بأوامرها . وقد تزوج حسين أفندي عندما كان رئيسا لبلدية القدس وعمل شهر العسل
--> ( 1 ) أحيانا يبدو أن هناك عدم دقة في تحديد العمر التقريبي وهذا بالتأكيد راجع لأن المذكرات كتبت بعد الحدث بزمن طويل . فواصف قد ذكر سابقا أنه تعلم الموسيقى وهو في العاشرة ثم ذكر أيضا أنه قد صنع أول آلة موسيقية وهو تسعة أعوام . ( 2 ) سجل الأغاني المشار اليه لدى علئلة المؤلف وقد لاحظنا انه يحتوى ليس فقط على كلمات الأغاني بل على نوتة موسيقية خاصة أيضا إبتدعها واصف ليدون بها الألحان .