واصف جوهرية

16

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

على مرأى من الملك وحاشيته في القصر الملكي ، ثم مد يده إلى جيبه فأخرج علبة صغيرة وفيها إبر للخياطة ، فأخذ الإبرة الأولى وضربها بيده فدخل رأسها في لوح الخشب ، ثم أخرج الإبرة الثانية وضربها بيده فدخل رأسها في هرم الإبرة الأولى ، ثم أخرج الإبرة الثالثة وضربها بيده فدخل رأسها في خرم الإبرة الثانية وهكذا إلى أربعين إبرة فعندها أمر الملك بجلده أربعين جلدة ودفع له أربعين دينارا وأصرفه قائلا له " يا هذا صرفت من عمرك ثلاث سنوات وعملت شيئا لا فائدة منه للدولة ولا لأحد " وهذا أنت يا توفيق فباللّه عليك ماذا تربح من هذا النموذج . صحيح جميل ولكن لا فائدة منه فقد أدخلتك المدرسة فلم تفلح ، ثم توصلت لمدرسة ليلية في يافا فتركت وهربت ورجعت القدس ، ثم نجار عند صهرك فتركته ، ثم ميكانيكي كذلك الأمر ، وأخيرا رسام عند المعلم المشهور آرام الأرمني فلم تطيعه فتركك ، وهكذا انكسف توفيق بعد سماعه لهذه الحكم ولكن بلا جد . يادست مع الوالد لعبت أنا ووالدي لعبة " اليادست " وهي لعبة يونانية مشهورة بواسطة عظمة الدجاجة ، فمضت مدة طويلة تعذر لأحد منا أن يتغلب على الآخر . فعندما صادف مرة وهو جالسا على فرشة الأرض ينتظر طعام الغذاء ونحن ننقل الصحون من المطبخ لتناوله وإياه حول المائدة المستديرة على الأرض ، وكان الطعام في ذلك اليوم ( مجدرة ولبن ) « 1 » وقد صادف أنني جئت بصحن نحاسي وفيه اللبن البارد وعندما وصلت باب الغرفة ركضت بسرعة قائلا يا با يا با يا با سخن ، فظن أنني حاملا صحنا فيه طعام ساخن فرفع قامته رحمه اللّه بسرعة وتناول مني ذلك الصحن شفقة بي ، ولا تسأل عندما اتضح بأنه صحن لبن وقلت له بسرعة يا دست وغلبته . ورغما عن غلبه سر مني وضحك وقال " المهم في النكتة بأن الصحن لبن بارد يا بارد " . سلاح خليل لم يكن أخي فنانا بالغناء أو عزف الآلات فعندما كنت أنا وإخواني توفيق وفخري جادين في حفلة ما موسيقية سأله صديق " وأنت يا خليل ماذا تدق ؟ فأجاب أنا أدق كبة " « 2 » . على كل فكل واحد من البشر له هواية خاصة فكانت هواية أخي خليل الأسلحة . ففي ذات يوم جمع خليل البنادق والسيوف والخناجر والمسدسات وكانت كثيرة في بيتنا زمن الوالد ، وعلقها على علم عثماني في أعلى الإيوان وكنت أنا وأخي توفيق نساعده في ذلك إلى أن انتهى من عملها وكانت والحق يقال منظمة على أحسن ما يرام . فعندما دخل والدي عند الظهيرة رأى ذلك المشهد وسأل من عمل هذا فجاء توفيق وقال عملها خليل يابا فالتفت والدي إلى خليل قائلا " مليح جدا بس ولك خلي لنا على الأقل سكينة واحدة ، فلو جاء الحرامي ماذا نقول له انتظر لعند ما نجيب السلم وننزل لك قطعة من أعلى الإيوان لنقاتلك بها " ،

--> ( 1 ) المجدرة هي أكلة شعبية فلسطينية تمزج العدس والأرز أو البرغل سوية وتقدم بالعادة مع اللبن البارد . ( 2 ) الكبة : وجبة شهيرة في شرق المتوسط من البرغل واللحم . دق الكبة : فرم وإعداد الكبة .