واصف جوهرية

15

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

سياسة وسوس الدواب حسب ارشادات الوالد ، وكان والحق يقال يخيل لمن يرى ذلك الإسطبل يظن بأنه آخور فرس أصيلة فكل شيء مرتب وموضوع في محله ولا يمكن لأحدنا التهاون بأي نقص وإلا كان الغضب والضرب أحيانا . كنا في فصل الشتاء ولأجل راحة الوالد الذي يكون متكئا على فراشه العربي وعليه العباة أو الفروة في إحدى زوايا بيت النوم العائد لنا يشرب الأركيلة والقهوة وعند المساء يمزمز [ أي يرتشف بلذة ] على كأس عرق وحوله المازة الشهية نحضر ما يسمونها ( السفرة ) وهي طاولة مستديرة تعلو عن الأرض حول ثلاثين سنتمتر ونضعها أمامه مباشرة وننقل من المطبخ الصحون والملاعق والطبيخ من الوالدة ونجلس جميعنا حول هذه المائدة المستديرة ونتناول طعام الغذاء أو العشاء ثم الحلوى وبعدها نعيد حالا كل شيء إلى محله نحن الأربعة أولاد تحت مراقبة الوالد وتحت إشراف الوالدة في كل فرح وسرور . والجدير بالذكر أن والدي كان رحمه اللّه له ميل خاص للنكتة فلا يترك الفرصة ينكت مع كل منا ضمن الحدود بصورة أدبية لا يستطيع أحد منا أن يستعمل ألفاظ بذيئة كما أنه كان يظهر إعجابه لمن يجيد النكتة فينا ويحاول تصليح الغلط وتعليمنا أن نتفهم المعنى الصحيح للنكتة . وهكذا كنا دائما في وقت الفراغ وبعدها يذهب كل منا إلى عمله إن كان في الشغل الخارجي أو العلم في المدارس . وأما الوالدة فكانت رحمها اللّه أمية لا تقرأ ولا تكتب وهكذا كان الوالد يداعبها في نكاته ودهائه وكأنها واحدة من أولاده وعند الأعياد تسبقنا فتقبل يديه معايدة عليه ثم نقبل بدورنا نحن يديه ويديها . عندما كان أحدنا يعذب الوالدة ولا يطيع أوامرها أو يعمل شيء مخالف للحق سواء كان مع بعضنا أو مع الجيران أو الأصدقاء فكلمة واحدة تنطبق بها وهي " بتشوف لأبوك " فبالحال نقف ونطيع الأمر خوفا من أن تشتكي الفاعل لوالده لأنه كان قاسي وشديد العقاب ولكن بالحق والعدل وكثيرا ما يستعمل ديباجة أو يحكي قصة توافق لذلك العمل حتى يستطيع الفاعل على أخذ المغزى وتجنب العمل السيء ثاني مرة وبدون ضرب فمثلا كان أخي توفيق جريء بالإيجابات وكان ذكي جدا ويدوي يعمل ويصلح ما رغبت من الساعات والماكنات من مختلف الصناعات ولكن كما قيل " كثير الكارات قليل البارات " فلم يفلح في عمل واحد وكانت حياته وأقولها صراحة بدون إنتاج فعلي بالنسبة لمعلوماته فقد عمل ذات يوم نموذجا من الكرتون يمثل به عمارة كانت اليهود أقامتها خارج باب الخليل لبيع منتوجات مدرسة الأليانس بالقدس ، وبالحق إن توفيق أتقن هذا النموذج وعرضه في إيوان الدار وقد صادف بعد خلاصه قد حضر والدي من السرايا فتأمل في النموذج متسائلا من عمله ؟ قال توفيق " أنا يابا " . فصمت والدي قليلا ثم قال " ولك يا توفيق وبعدين معاك ؟ أنا لم أغلط في حياتي إلا لكوني سميتك توفيق " فقال توفيق وماذا كان يجب أن تدعوني ؟ قال والدي " تلفيق " ثم استطرد قائلا " إسمع كان واحد مكث في بيته ثلاث سنوات ، ثم قابل الملك وقال له بأنه اخترع شيئا عجيبا . فسر الملك وسأله ما هو ذلك الاختراع ؟ فقال الرجل آمرلي يا مولاي بلوح من الخشب . فجيء له بلوح من الخشب فأوقفه