واصف جوهرية
270
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
ملحق رقم 10 الألعاب الشائعة في مدينة القدس في العهد العثماني الصينية " الدستور " كانت لعبة الصينية أو الدستور مشهورة ومحببة لدى أهالي بيت المقدس وكانوا يقضون القسم الأعظم من سهراتهم وخصوصا في ليالي فصل الشتاء الطوال بالضحك والنزهة والترفيه عن النفس بصورة يعجز القلم عن وصفها . كان عددا كبيرا من العائلات المسيحيين يتفقون بغرض ما يسمونه بالدور أي سهرة واحدة من كل أسبوع في بيت كل من هؤلاء من الناس والذي يكون عليه الدور يقدم لمن يكون في السهرة الحلوى والشرابات الساخنة والبرازق والنقرشة طيلة الليل إلى أن تنتهي السهرة ويبقى الغالب والمغلوب على هذه الصورة يلعبون الصينية تلك اللعبة الجميلة ولا يشعرون كيف انقضى الشتاء ولياليه . أما اللعبة فهي كما يلي : ينقسم الحاضرون في السهرة إلى قسمين ويعين على كل قسم رئيس ويجلسون في الغرفة متقابلين لبعضهم ومن حولهم باقي العائلات وأولادهم يتفرجون ، ينفرد القسم الأول فيأخذ صينية " صدر " كبير واسع ويضع عليها اثنى عشر فنجانا من فناجين القهوة مقلوبة على بابها ويضع الخاتم أو الكشتبان تحت فنجان ما منها ، ويكون دائما عدد الفناجين مساوي لعدد الفريق الواحد مع رئيسه ، يدخل أحد هذا الفريق حاملا الصينية وعليها الفناجين ويضعها أمام رئيس الفريق الثاني على الأرض لان جميع من حضر كان متربعا في القاعة على الأرض ، كما كانت العادة في ذلك الزمن ، ومن المفروض أن يتفق رئيس الفريق وأعضائه على اكتشاف الخاتم أو الكشتبان وأن يحزر قبل ما يقلب الفنجان ، فيقول الرئيس مثلا : هذا بوش " أي أن هذا الفنجان فاضي ويقلبه " وهذا بوش ، ومثلا هذا " إلي يعطينا " أو هذا الدستور بمعنى أنه الخاتم . فإذا حزر رئيس الفرقة أين الخاتم كان موجودا تحت أي فنجان قهوة قبل قلبه يصير التصفيق الحاد من زملائه ومن حضر في البيت " ما عدا الفريق الخصم " يسجل للرابح علامة واحدة ، ويأخذ الصينية لأنه ربحان فيعمل ذات العملية ضد الفريق الأخر وهكذا ، وإذا لم يحزر يسجل له علامة خسران وتقدم له مرة واحدة الصينية مثل المرة الأولى إلى أن ينتهي الوقت المعين بين الفريقين اللاعبين ، وعندها الغالب يظهر جديا للعموم . وهنا بيت القصيد يتحمس الفريق الغالب وبالاتفاق مع رئيسه ينشر القصاص أو العقوبة المبتكرة ضد كل من الفريق المغلوب ، ثم تصدر الإرادة السنية من الرئيس بأن يخرج أحد أفراد الفريق المغلوب لخارج القاعة ليتمكن الرئيس الغالب من المذاكرة مع أعضاءه على شكل العقوبة وبعد برهة ينادي عليه وكأنها محكمة فيدخل هذا المسكين وينفذ الحكم فيه أمام الحاضرين ، مثلا : الحكم ينطق بأن هذا المغلوب يجب أن يرقص ويمثل الدب في رقصة ، فتصور يا أخي حالته عندما يكون مسنا وله لحية جليلة شائبة ! ، يقف في الوسط ويرقص على أنغام الدربكة والتصفيق الحاد من جماعة الغالبين اللذين يكونون يمدحون " قام الدب ليرقص ، وقتله سبع أنفس ، أو أصله بجيبه للميدان ! ! وهكذا " ، فيكون المسكين مكسوفا ولم يجرأ على الرفض مطلقا إلى أن تنفذ الأحكام المخلفة بحق كل من الفريق المغلوب وعلى الخصوص الرئيس . هذه لمحة وجيزة عن لعبة الصينية التي كنا نلعبها في القدس ، وأما هذه اللعبة فكانت تستعمل عند المسلمين في بيوتهم بين الرجال فقط ، وتكون النساء المتحجبات خارج القاعة يشاهدون ذلك من أطراف الأبواب والشبابيك وكانت العادة بأن الرجال المسلمين تلعبها في الغرف المعروفة ( بالاوضة ) يتجنبوا الاحتكاك مع النساء .