واصف جوهرية

253

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الحكم علي بالإعدام إذا ما تأخرت عن الحضور لأريحا بقيت متخفيا بالقدس بصورة أقلقت أفكار والدتي خاصة إلى أن قضيت شهر تشرين الثاني وبقي الحال كما كنا عليه وكنا نشاهد بعض المعارك في جو وفوق رؤوسنا ما بين طائرات الإنكليز من جهة وطائرة الأتراك والألمان من جهة أخرى حتى إني أذكر أن شظايا قنبلة من الطائرة وقعت قرب منزل الأخت عفيفة . ثم بدأت المعارك الداخلية فقد نسفت تركيا محطة سكة الحديد بالقدس خوفا من إحتلالها من قبل الأعداء الإنكليز وكان يوما رهيبا بالقدس ولكن لم يطرأ شيء على المدينة وأخيرا تسلمت مذكرة من زميلي مينا الحلبي يقول فيها بأنه صدر أمرا كتابيا بأن القيادة هناك هددت بالحكم بالموت شنقا على كل من فر من الجندية ولم يرجع إلى أريحا بمدة كذا ، وكذا من الأيام ، وقد نصحني الأخ مينا الحلبي بأن أحضر حالا ونغتنم فرصة محبة قوماندان أريحا لنا بصفتنا تحت حكمه المباشر بالجندية . عزمت على تسليم نفسي والرجوع إلى أريحا وهكذا وبعد البحث مع العائلة وخصوصا مع الأخ خليل قررنا بالإجماع أن أترك القدس حالا وأرجع إلى مقر عملي في أريحا طالما لم يتغير الوضع ولم تدخل بريطانيا كما كان يشاع في المدينة مع أننا كنا نستمع إلى أصوات المدافع من بعيد من جهة الغرب وخصوصا قرية النبي صموئيل من قرى قضاء القدس . مشيت مع أخي خليل بعد ظهر نهار السبت الواقع في 8 كانون الأول سنة 1917 في المدينة بصفته لابسا لباس الجندرمة ودخلت المدينة القديمة واتفقت مع أحد من قرية سلوان بأن يؤجرني حمارا في باكر الصباح التالي من السبت وقد دفعت فعلا عربونا ربع مجيدي فضة وذلك في حي باب السلسلة بالقدس . ثم جئنا إلى كريكور الأرمني الذي كان يبيع الأسلحة مقابل القلعة في باب الخليل واشتريت عددا من الفشك للمسدس الذي كنت أحتفظ به وكانت المدينة مغلقة الدكاكين والجو مكفهر ومكهرب وكانت الضباط يتجولون في الشوارع ويلقون القبض على من يروه من الرجال ويسوقوهم إلى خارج القدس عن طريق أريحا . وكان يوما مخيفا جدا وقد حصلت على بعض الهدايا لقوماندان أريحا بكل صعوبة ثم سرنا إلى أن وصلنا الزقاق حذاء عمارة الكازانوفا وهناك يشهد اللّه علينا كدت أن لا أعي أحدا من شدة الفزع لماذا قد التقينا بالقولاغاصي وعبد الرحمن بك وكانا يتجولان في المدينة وكأنهما مصروعان ومن خلفهم عددا كبيرا محاط بالجنود ألقي القبض عليهم وكانوا فارين من الجيش . كنت آنذاك ألبس ما يسمونه بالبلارين ، وكانت موضة في تلك الأيام يشبه العباة وعندما رأيت القولاغاصي دب الرعب في قلبي وقلت في قرارة نفسي بأنه سيلقي القبض علي حالا وخصوصا وأن تاريخ المأذونية مضى عليه مدة تقرب من الشهرين وهكذا لم أستطع أن أحل يدي من تحت البلارين وإنك تعجب عندما أقول :