واصف جوهرية
254
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
أن هذا القولاغاصي الذي كان طاغية وحاكم بأمره ومستبد كل الاستبداد بالعرب رفع يده على رأسه وبادرني بالسلام وقال " ناصل كيف أوغلوم " أي كيف حالك يا ولدي ؟ ثم تابع سيره مع عبد الرحمن بك . كانت والحق يقال ساعة رضاء وربنا سبحانه وتعالى حنن قلبه في تلك اللحظة ولم يسألني عن الإذن الذي كنت بموجبه أسير في شوارع المدينة التي كانت وكأنها جهنم ، وكان ذلك شدة حبه لي فلم ينس ما استمع مني من الموسيقى والطرب في كثير من السهرات التي ذكرت عنها الكثير في الفصول السابقة من هذا الكتاب . أما خليل فقد دهش وبدأ يتسائل عن انزعاجي ولم يعرف من هو قولاغاصي القدس وما عمله في الأهالي طيلة مدة الحرب فمشينا وبدأت له حديثي عنه بصورة واضحة وقلنا اللّه ستر . واصلنا سيرنا إلى أن وصلنا باب الجديد ومنه إلى بيت الأخت عفيفة وفي هذا اليوم ألقي القبض على أستاذي خليل السكاكيني وجاره الدكتور الترلافين « 1 » اليهودي وسيقا تحت الحفظ مع عدد كبير من الفارين إلى أريحا . كانت ليلة مخيفة بالقدس وبدأ إنسحاب الجيش التركي والألماني ليلا وكانت الجنود التركية تنهب ما استطاعت ما تجد بين أيديها وقد هجم بعضهم على البيوت بصورة فظيعة والأهالي يقدمون الطعام ليتخلصوا من شرهم وقد أطعمنا جملة من هذه الجنود التركية . اشتدت أصوات ضرب المدافع على القدس وقراها وكنا نستمع إلى أصوات المدافع من باب الواد وكانت مدافع بريطانيا ولكن من كان يعلم أن هذه الليلة هي الليلة الأخيرة للأتراك ؟ . بقينا سهرانين ولم يجسر أحدا على فتح الأبواب أو النوافذ وزادت الحالة سوءا لعند فجر السبت الواقع 8 كانون الأول سنة 1917 وفي الصباح توجهت إلى بيت حسين أفندي وبقيت معاه . [ هناك التباس في التواريخ فهو ينتقل من بعد ظهر السبت إلى فجر السبت ] « 2 » [ . . . ] الاجتماع التاريخي الأخير ليلة 8 - 9 كانون أول سنة 1917 في عمارة السان جورج البريطانية عندما اعتقدت القيادة العامة للجيش التركي بقيادة علي فؤاد وبالاتفاق مع الألمان بأن العدو على أبواب القدس وأنه لا مناص من إحتلالها بالقوة من قبل الجيوش التابعة للحلفاء بقيادة الجنرال اللنبي عقد اجتماع مختلط برئاسة سعادة متصرف القدس عزت بك ولن أنقطع عن البقاء بجانب حسين أفندي . كان هذا الاجتماع التاريخي بالقدس مساء السبت الواقع 8 كانون أول سنة 1917 بحضور أكبر موظفي دوائر الحكومة ، من مختلف أنواعها ورئاسة قوة بوليس القدس بما كانت تضم عبد القادر العلمي وأحمد شرف وإسحاق العسلي وغيرهم ثم أعيان ووجهاء مدينة القدس من مختلف الطوائف وكان القائم بهذا الاجتماع أستاذي داود دعدس الذي كان أمينا على العمارة بموجب تعيين رسمي من قبل نيافة المطران الإنكليزي بلايث طيلة مدة الحرب أي
--> ( 1 ) المقصود هنا الدكتور ألتر لافين طبيب وشاعر يهودي التجأ إلى بيت السكاكيني حيث كان ملاحقا من السلطة العثمانية في خلال الحرب وتم إعتقاله مع السكاكيني ونقلهما بالأغلال إلى دمشق [ وليس إلى أريحا كما يقول جوهرية ] عام 1917 . يروي السكاكيني هذه الواقعة بتفاصيلها في مذكراته " هكذا أنا يا دنيا " . ( 2 ) توجد هنا صفحتان 277 - 278 ناقصات من المخطوطة .