واصف جوهرية
252
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
مأمن اللّه دخل البيت غفلة وقبل أيادي الوالدة وقبل الجميع فأشبعوه قبلا وكان في ألبسته الجندرمة الأنيقة مدججا بالأسلحة بصورة توجب الفخر والاعتزاز . وهكذا حصلت على مأذونية موقعة من قوماندان أريحا وحضرت القدس مسلما فقبلته وحدثته ما عملت مع سامي بك وكيف قيل لي بأنه لف حذائه بالاستدعاء . ويقينا سوية في الدار مع الأخت عفيفة وعائلتها وكان الجيران الأخ يوسف قرط وعائلته ومينا بسطولي وعائلته وعائلة الخوري من أهالي يافا كان الشباب فارين من الجندرمة وكانت الجارة المرضية عندنا المرحومة أم يوسف أرملة المرحوم عيسى زخريا فكنا نقض الليالي أعزف وأغني للجميع على شرف رجوع الأخ خليل وسلامته مدة أربع سنين قضاها بالشقاء في بيروت والجندية . وقد تكهرب الجو سياسيا وكانت إشاعات تسري بين الأهلين بقرب دخول بريطانيا بلادنا ، وهكذا صمم أخي خليل على البقاء في القدس وكذلك أنا وكنا ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر وكل يوم نقول اليوم . وقد دهش أخي خليل لنجاحي في الموسيقى العربية وخصوصا علمي التواشيح النادرة فأعجب بي أيما إعجاب وإني لن أنسى موقف الأخت عفيفة وزوجها منا جميعا وما كانا يقولانه من المساعدة وحسن الضيافة لكل منا نحن الأخوة والوالدة وإني أكتب تشكراتي القلبية بخط يدي إلى صهرنا المحترم ونسأل اللّه أن يوفقنا برد ولو جزءا مما عمله من خير وفضل طيلة أيام الحرب . كان الأخ خليل يتجول بالقدس بألبسته الرسمية وسلاحه وهكذا بعد انتهاء مدة الوظيفة وكان بهذه الصورة وكأنه نظاميا بالقدس . انتهاء مأذونيتي بالقدس كان تاريخ المأذونية التي كنت أحتفظ بها والموقعة من قبل قوماندان أريحا كان تاريخ انتهائها في 1 تشرين أول سنة 1917 فقد زدت رقم 3 فأصبح انتهائها في 31 تشرين أول وكنت مقيما بالقدس ننتظر بفارغ الصبر دخول بريطانيا طالما حضر الأخ خليل من بيروت ونكون في محل واحد مجتمعين بعد التشتيت الطويل ، ولكن مر التاريخ ولم يتغير الوضع فبقيت مختفيا في الدار ولا أتجول إلا عند الظلام مع أخي خليل الذي كان لباسه الجندرمة وكنا لا نترك محلة مأمن اللّه القريبة من بيت الأخت عفيفة . كنت أتخذ الأخبار فأذهب إلى بيت حسين أفندي وأرافقه مرارا في السهر والجميع كان متفاؤل وينتظر الفرج وقد ظهر للشعب الطريقة الشاذة التي أصبحت بموجبها تعامل الحكومة وقادة الجيش الأهالي والجنود فكانت تعاملهم بأشد قسوة وكانت تحاول على استملاك أي شيء يستطيعون الحصول عليه من التجار بصورة فظيعة . وكانت القادة تتجبر بنقل الجنود والعمال إلى بلاد أخرى الأمر الذي أقلق الأهالي وهز كيان القدس بصورة عامة .