واصف جوهرية
237
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
وأوصله من المركب إلى المخزن الموجود على الشاطئ وكنت أنقل مدة ربما الربع الساعة والدموع تهطل من عيوني على مرأى من جميع الضباط والبحرية والأصدقاء من القدس أمثال موسى الراغب ومينا حلبي والياس الخروف وفيليب جلوق والشيخ جلال العلمي وغيرهم حتى تداخل المرحوم الشيخ جلال بالأمر فسمح لي على الوقوف من هذه الأشغال الشاقة . ولكن حكم علي بالتوقيف مدة ثلاثة أيام وذلك في مكتب إبراهيم بك طهبوب بجانب خيمة الشيخ جلال العلمي وكانت هذه الحادثة من أصعب الحوادث التي مرت منذ مولدي واللّه يشهد . عثوري على ذهب ورده إلى أصحابه أثناء توقيفي ثلاثة أيام في مكتب إبراهيم بك طهبوب يوزباشي بحرية في الشاطئ الغربي من البحر الميت كما جاء في المقال الأخير هنا كانت ليالي مقمرة وكنت قبل النوم نقضي بعض الساعات في ضي القمر على الشاطئ بحضور الشيخ جلال الدين العلمي والعم محي الدين الحسيني وإبراهيم بك طهبوب وغيرهم . وعند الليلة الثالثة عندما كان يهودي سكناجي يدعى الأدون هرش من سكناج مياشعاريم بالقدس « 1 » ، وابنه ينام في عريشة على الشاطئ ويرغب السفر مع والده إلى الكرك عن طريق البحرة في ثاني يوم لشراء حبوب ، لاحظت والحاضرين بأن هذا اليهودي يتجادلان بلهجة عصبية باللغة السكناجية [ أي الييدش ] بصورة فظيعة ولدى الاستفسار عن هذه الثورة علمنا بأن ولده قد فقد النقود التي كانت معه . فأصبح الأب وابنه كالمجاذيب لا يشعرون ما يعملون يدخلون العريشة ثم يخرجون ويذهبون إلى الشاطئ فيرجعون الأمر الذي أزعجنا وقام كل منا يفتش على النقود المفقودة ولكن بدون جدوى . أعطي الخبر لقادة البحرية آنذاك وبقي الأدون هرش وابنه قلقين الأفكار ولم يستطيعا أن يناموا . وقريبا من منتصف الليل عندما عزمت على النوم داخل المكتب ذهبت بعيدا عن الحضور لقضاء حاجتي على الشاطئ ، وعندما باشرت بتنزيل حوائجي نظرت بجانب رجلي تماما كيسا لونه أصفر قليلا فحملته وعرفت بأنه هذا هو المبلغ المفقود . وبعد ما أتممت حاجتي جئت مسرعا بالكيس ( وكأني طفل جاء لأمه ) وأعطيته إلى الأدون هرش وقلت له أليس هذه الدراهم ؟ . لا أقدر واللّه يشهد أن أصف الطريقة التي اندفع الأدون هرش وابنه علي فأخذ الكيس وأشبعاني قبلا من الوزن الثقيل خصوصا الأدون فكان يتفتف على وجهي من اللهفه ، أما المبلغ فكان فقد وقدره أربعماية ليرة عثماني ذهب لا غير فقد جمع من اليهود لشراء القمح لفقراء طائفة الشكناز التابعين لوقف تلموذ توراة مياشعاريم أغودات إسرائيل بالقدس بواسطة الأدون هرش المسكين .
--> ( 1 ) أدون هي عبريه وتعني السيد ، سكناج هي مصطلح شعبي بالعربية يعني إشكناز وهي اصطلاح يعني اليهود الغربيين . مياشعاريم : وهو حي يهودي إشكنازي يقطنه اليهود المقيمين في شمال غربي القدس يعود للنصف الثاني من القرن التاسع عشر ( وتعني بالعربية مئة بوابة ولكن العرب أسموه موشيرم ) .