واصف جوهرية
238
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
قبضت مبلغ عشر ليرات ذهبية بعد ما رفضت مرارا ولكن حكم علي المرحوم العم محي الدين أفندي بأخذهم حلالا زلالا وشكرتهم ، والجدير بالذكر في هذا الصدد بأنني كنت لا أملك سوى نصف ليرة ذهبية عثمانية كان قد دفعها لي حسين أفندي مؤخرا في الكرك . جن جنون الأدون هرش من شدة الفرح وأثنى على أمانتي . وإني أعترف والحمد للّه أنه لم تنقص علي من الدنيا وما فيها شيء أبدا بل توفقت بعونه وتعالى فحصلت على كل ما أبتغي من أموال وصحة وبنين ولم أعرف العسر أو الضيق في حياتي لغاية يومنا هذا فألف شكر على نعمه . وقد كان الأدون هرش لي سندا وأكبر رعاية بين اليهود بعد الإنتداب البريطاني وقد استعدت بسببه الكثير بسبب هذه الأمانة . لم يعجب أخي توفيق ما عملته وكان يعاتبني ويقول لي واللّه بدك تنكة بنزين تحرق فيها ، فقلت وللّه في خلقه شؤون . وأخيرا أقول من كان يملك أربعماية ليرة ذهبية سنة 1917 في بلادنا فهذا يعتبر دون شك مليونير . إسماعيل حقي بك بعد قضاء مدة توقيفي في مكتب إبراهيم بك طهبوب ، صار تعييني ( قنطارجي ) أي مأمور مسؤول عن وزن القمح الذي يرد من العربان على القبان . كانت والحق يقال بالنسبة لفني مأمورية شاقة فقد كنت أنام على الشاطئ فوق سريري الخاص السفري من شدة الحر واستيقظ على ضجيج العربان الذين كانوا يصلون قبل الفجر ومعهم العدد الكبير من الحمير محملة على ظهورها الحبوب وهكذا قبل ما أتمكن من غسيل وجهي أو تناول أي شيء من الطعام أو الشراب أستيقظ وفوق رأسي البدو فأبدأ بوزن أكياس الحبوب على القبان وأسجل لكل واحد منهم من ورده حسب التاريخ . وذلك تحت مراقبة المسؤول الكبير الضابط إسماعيل حقي بك يوزباشي . أما لسوء حظي فقد حكمت في ابتداء تعيني في خدمة الجيش بهذا الضابط إسماعيل حقي بك والعياذ باللّه فلم أرى له مثيلا منذ دخول البلاد في الحرب العظمى فكان عكسي تماما لا يحب الاستماع إلى الموسيقى ولا يتأثر بأي نغم ولا يحب حتى البحث في أي من الفنون والهواية الحقة التي كان مغرما بها هي جمع ما أمكن جمعه من المال ليس إلا فكان في المساء وعند النوم يحل ذلك الكمر من على وسطه الملآنا من الذهب وكثيرا ما كنت أساعده بشدة . كان ضابطا كبيرا في السن من الأتراك القدماء ربما من زمن السلطان عبد المجيد ، وكان يكره كل ما هو منسوب للعرب فكان لا يتكلم كلمة إلا ونجثمها بالشتائم من الوزن الثقيل بلغته التركية مثال : " ولان ديوس عرب إجك أو عني إجك كرته بترونك " إلخ . إلى كل من كان يشتغل معه وهكذا قضيت مع هذا الضابط اللعين مدة سبعة وأربعين يوما لم أنساها ما دمت حيا لأنني لم أرى أو ألمس عودي ولم أغني ولو قطعة واحدة بل كانت حياتي مملة متعبة ليلا ونهارا بسببه . إنني لم أتعود بأن أرافق شخصا مثل إسماعيل حقي بك وكثيرا ما كنت أضحك في نفسي وأقول وللّه في خلقه شؤون كنت أضحك من شدة تأثري منه لآن بيده الأمر والحكم ونحن في أيام حرب قاسية وكنت أحاول أن أدخل ولو بعض