واصف جوهرية
مقدمة 26
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
مع ذلك نستطيع أن نتابع التحولات الاجتماعية الجذرية التي اجتاحت القدس في الروايات التي تفصل عالم الأب عن عالم الابن في الجيلين من عائلة جوهرية . ويكتسب ذلك أهمية خاصة عندما نصغي إلى وصف الأب لجغرافية القدس خارج بوابات المدينة : حدثني والدي فقال : عندما كنت صغيرا ، ربما في سنة 1845 ، أذكر أن لا بناء كان خارج السور سوى بعض القليل جدا أذكر منه قصر أبو الهوى الخليلي طريق القدس - بيت لحم ، قصر الحديدية بجوار محطة السكة الحديدية وملك البطريركية الأرثوذكسية ، قصر بن يمين طريق القدس - بيت لحم بما فيه دير وكنيسة مار الياس ، قصر العماوي مقابل جامع الشيخ جراح ، بناء في كرم رصاصي موقع متحف القدس الآن . « 1 » ثم جامع الشيخ بدر طريق القدس - يافا ، عكاشة جامع أيضا محلة عكاشة وبعض الأبنية الرخيصة المتفرقة . ثم يضيف ، نقلا عن الأب ، في مكان آخر : عندما كنت ربما في الثالثة عشر من عمري سنة 1850 لم يكن سياره تجر بواسطة الحيوانات مطلقا ولم نعرف ( العجل ) بل كان السفر بواسطة ركوب الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والجمال فقط وإني أذكر أول من جاء بما كانوا يسمونه ( طنبر ) وهو عربة قائمة على عجلتين وتجر بواسطة بغل ( فرنسا ) وكانت هذه العربة تنقل القرميد القديم الصنع لكنيسة فرنسا في قرية أبو غوش فكنت وكثيرا من أولاد جيلي نسير خلف هذه العربة من باب الخليل إلى أن نصل قريبا من لفتا نتأمل في العجل الذي بواسطته تدور وتسير بسرعة ثم نرجع وكلنا إعجاب لهذا الابتكار الغريب . . ثم نتعرف على مدى انغلاق المدينة قبل جيل واحد من نشأة واصف : عندما كنت صبيا ربما في سنة 1845 كانت أبواب المدينة تغلق من قبل الدولة عند الغروب يوميا وذلك خوفا من هجوم البدو ودخول المدينة ليلا . . وعندما كنت أتأخر مع بعض رفقائي من الأولاد قليلا عن الغروب ونحن نلعب خارج السور فنجد أن الأبواب مغلقة كنت أتسلق والأولاد من جهة خارج باب العامود من ثغرة وعره حتى نصل إلى سوار المدينة وننزل من جهة عمارة الجبشه الآن . كيف حصل واصف على هذه الذكريات من والده ؟ هل كانت مبنية على يوميات سابقة كان يحتفظ بها جريس الأكبر ، أم أنه استعاد بكل بساطة حديثه من الذاكرة ؟ « 2 » لم أستطع معرفة الإجابة عن هذا السؤال . ومهما يكن ، فإننا أمام روايتين مختصرتين من جيلين ، جرى تركيبهما الواحدة بموازاة الأخرى ، يوميات داخل يوميات تقودنا بمهارة الراوي من عهد التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر إلى بداية الحرب العالمية الأولى . وتكشف في الحصيلة عن مدينة على حافة تحول كبير من تخوم الطائفة المذهبية المنغلقة نسبيا داخل بوابات المدينة ، إلى الانطلاق المفاجئ نحو المجال المفتوح ، عندما بدأت عشرات العائلات من البلدة القديمة بغزو ضواحي المدينة الجديدة ، الغربية والشمالية ، في المصرارة والمسكوبية ومئا شعاريم والبقعة ( كانت الطالبية
--> ( 1 ) لعله يشير إلى موقع المتحف الفلسطيني في باب الساهرة ، الذي أصبح متحف روكفلر بعد الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 . ( 2 ) لقد زودني السيد جورج جوهرية نسخة عن مذكرات كان جدّه جريس يحتفظ بها ، وفيها دوّن أحداثا من القرن التاسع عشر . إلّا إن هذه المخطوطة هي في الأساس سجلّ عائلي ، سجّل فيه الولادات ، والزيجات ، والتعميدات ، والوفيات ، ولا يحتوي تقريبا على ملاحظات اجتماعية من النمط الذي يعزوه واصف إليه هنا .