واصف جوهرية

مقدمة 27

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

والقطمون لا تزالان في مرحلة نمو جنينية ) . إن وتيرة هذا التوسع وطبيعته تنعكسان في تطور شخصية واصف بالذات ، بينما هو على وشك الدخول في سن البلوغ المبكّر . سنوات التشرد على غرار ما كانت عليه عادة سكان البلدة القديمة ، أرسل واصف للتدرّب في عدد من المهن في صباه . وقد أكملت هذه الواجبات تدريسه الرسمي ، وكثيرا ما طالت مهنته الموسيقية المتطوّرة . في صيف سنة 1907 ، وهو في التاسعة من عمره ، أرسله والده للتدرب في دكان الحلاقة التابع لمتيا الحلاق ( أبو عبد اللّه ) . وفي ذلك الوقت كان يداوم في المدرسة الابتدائية اللوثرية في الدبّاغة . وكان الحلاق في القدس العثمانية متعدد الوظائف . فقد كان طبيبا يداوي بالأعشاب ، ومعلما في المعالجة بالعلق لفصد الدم وكاسات الهواء لتخفيف الاحتقان . وبصورة عامة ، كان يؤدي مهمة طبيب العائلة المحلي . ويمكن أن يكون جوهرية الأب أراد لأحد أبنائه أن يكتسب مهنة كهذه . وقد تعلم واصف أساليب تهرّب خلّاقة في هذه الفترة . فكثيرا ما كان يهرب من دكان سيده للاستماع إلى حسين النشاشيبي يعزف العود في صالون حلاق آخر ( الخاص بأبي مانويل ) ، كانت عائلة النشاشيبي تملك دكانه . وفي هذه الفترة ، بدأ عزف العود يستحوذ على واصف ، وراح يعدّ الأيام ليصبح هو نفسه عازفا . وتحتل مهنته الموسيقية جزءا كبيرا من اليوميات . ومن حسن حظنا أننا حصلنا على مفكرته الموسيقية التي بدأ يسجّلها قبل الحرب العالمية الأولى مباشرة ، والتي استطاعت العائلة أن تستعيدها من مخبئها في بيت العائلة ، في شارع بوتا ، في القدس الغربية ، بعد حرب 1967 . وتعكس المفكرة اهتمامات واصف بالموسيقى العربية ، من الموشحات الأندلسية والحلبية الكلاسيكية ، إلى موسيقى الكورس ( التي كان يؤديها في الأعراس والاحتفالات العائلية ) ، وإلى أغاني الحب ، وإلى الألحان الشعرية الكلاسيكية ، وأخيرا الطقاطيق وأغاني العشق . ولأن واصف لم يكن متعلما في بداية حياته الموسيقية قراءة النوتة ، فقد اخترع أسلوبه الخاص . كذلك كتب فصلا عن تكييف العود وفق نظام النوتة الموسيقية الغربية . « 1 » كان بيت جوهرية المحيط المثالي لمواهبه الموسيقية المتفتحة . فأفراد العائلة جميعا - باستثناء خليل ( الذي لم يكن لديه أذن موسيقية ) - إمّا كانوا يعزفون ، وإمّا يغنون ، وإمّا يستمتعون بالموسيقى الجيدة . وكان أبوه أحد المقدسيين القلّة ممن اقتنوا فونوغراف " ماسترز فويس " . وكان لدى آل جوهرية عدد من التسجيلات المبكرة لمغنين مصريين بارزين ، مثل الشيخ المنيلاوي وسلامة حجازي . وكان الوالد يشجع أبناءه على الغناء المرافق لهذه التسجيلات . وكان قاسيا بصورة خاصة على واصف عندما يخطئ . كذلك كان جريس جوهرية حريصا على استضافة مغنين وموسيقيين بارزين يزورون القدس . وكان أحد هؤلاء عازف العود المصري قفطنجي ، الذي أمضى أسبوعا مع آل جوهرية ، ومنه تعلم واصف عددا من الألحان التي استخدمها في الغناء في ليالي الصيف على السطح ، وأكثر من ذلك في " بيت الخلاء " . « 2 » يرجع واصف بداية مهنته الموسيقية إلى " سنة العواصف الثلجية السبع " ، وهو نمط مألوف لحساب الأحداث في تلك الأيام ، لا يزال منتشرا في الأوساط الشعبية ، والتي يقدّر لاحقا أنها كانت سنة 1906 أو سنة 1907 . وكان ابن تسعة أعوام ، في عيد القديس ديمتري ، عندما كانت عائلة جوهرية تحتفل بعيد ميلاد سميّه ، جارهم وصديقهم متري عبد اللّه منى . في تلك السنة كان أخوه خليل يتدرب على مهنة النجارة ، وقد صنع له دفه الأول . لقد حركت رغبة الابن عاطفة أبيه إلى حد السماح له بمرافقة عدد من أصحاب الأداء المعروفين جيدا في محلة السعدية ليتعلّم الفن على أيديهم . وقد شمل هؤلاء حنا فاشه ، الذي كان يصنع آلاته الخاصة ، وصبري عبد ربّه ، الذي باعه عوده الأول في مقابل 4 مجيديات ( 80 قرشا عثمانيا ) . « 3 » وكان واصف عندها ابن أحد عشر عاما ؛ وقد وفّر 20 قرشا من عمله واقترض الباقي من صديق أبيه حسين الحسيني . « 4 » ولقد تأثر جريس

--> ( 1 ) أنظر : " الدفتر الموسيقي " ، مصدر سبق ذكره ، صفحة 9 . ( 2 ) أنظر صفحة 18 . ( 3 ) من أجل تقدير ثمن عود واصف الأول ، نلاحظ أن ثمن رطل اللحم ( 3 كغ ) ، في ذلك الوقت ، كان 5 ، 7 قروش . ويعادل المبلغ الذي دفع للعود ثمن 32 كغ من اللحم ، أي 320 دولارا بالنسبة إلى أسعار القدس في وقتنا هذا ( سنة 2000 ) ، وهو مبلغ كبير لعائلة متواضعة الحال في ذلك الوقت . أنظر : المخطوطة ، " قائمة بأسعار الحاجات الأساسية في القدس العثمانية : 1900 - 1914 " ، صفحة 101 . ( 4 ) أنظر صفحة 96 .