واصف جوهرية

222

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

هذه الرحلة اللعينة في حياتي . وإني أذكر أنه عندما وصلنا إلى مدينة الكرك كان حسين أفندي يقول بحضوري " كنت خائفا جدا من الخطر وهكذا قبلت صورة عقيلتي وأولادي في المركب وقلت في نفسي أنني لا أراهم بعد " . العم أبو نمر على أعلى قمة في المركب راجع حسين أفندي ما حفظه من طعام بسبب شدة النو في البحر الذي جعل المركب الشراعي يتأرجح فينا في وسط البحر وذلك عندما كنا في قعر المركب ، إذ شاهد حسين أفندي منظرا مؤذيا فرأى العم أبو نمر ملفوفا في عباته وجالسا على أعلى قمة من سطح المركب الأمامية وكان يحج بالنسبة لحجة المركب بصورة متعبة . فبادره حسين أفندي قائلا : يا أبو نمر إنزل إلينا حرام عليك هلآ تدوخ . حبكت النكتة البديهية لأبي نمر فأجاب على الفور : " عدوات يا أبو سليم يا ريت أدوخ فأنا أشتري الدوخ بدراهم وما بدوخ في أريحا " . وكان كما قلت عنه مدمنا على الخمر طيلة حياته فلم ينقطع عن العرق ليلا ونهارا . رحمه اللّه . في الكرك بعد ما أقمنا خمسة أيام في غور المزرعة في ضيافة العم محي الدين أفندي توجهنا إلى الكرك وأقمنا في الرياسة لدير الروم الأرثوذكس وكان الرئيس الأرشمنديت أنيختاريوس الذي تعرفنا عليه في رحلتنا الأولى . كنا في هذه المرة عددا كبيرا وقد أحضرنا معنا مؤونة تكفي لمدة شهر تقريبا فعشنا في بحبوحة وكان العود معي في هذه الرحلة وقد وصل سالما بعد ما عملت له صندوقا من الخشب بالقدس حفظه من العطب . كنت في ذلك الوقت وفي كل جولاتي مع حسين أفندي الأمين على النقود وكانت كميات كبيرة من الذهب الرنان وهكذا كنت متحفظا دائما ولم أفارق هذه النقود ثم لم أجسر أن أعرف من كان معنا على وجودها مطلقا بل بتكتم شديد كنت أسلم ما يرغب مني سرا في الغرفة المغلقة إلى حسين أفندي لدفعه إلى بائعي الحبوب . وإني أذكر أن حسين أفندي كان من الأشخاص اللذين لا يحبون حمل النقود حتى ما يتطلب لعائلته يوميا لشراء الحاجة كان يأخذ ما لزم مني وكانت عقيلته تسألني عن رغبتها فأدفع أو أشتري لها المطلوب طيلة أيام الحرب وما كان رحمه اللّه يسألني عن تقديم أي حساب فكانت ثقته بي عظيمة والحمد للّه . كانت وفود كثيرة تزور الدير للسلام على حسين أفندي ومنهم من كان له مصلحة في بيعه الحبوب وإني أذكر بعض هذه الشخصيات من عائلات أهالي الكرك العريقة أمثال : الزريقات ، الشرايحة ، المدنيات ، القصوص ، الصناع ، الحدادين .