واصف جوهرية
214
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
موالا وتابعه عند الانتهاء بخمسة فشكات من مسدسه في الهواء وذلك من نشوة الطرب والحظ ، فعمل صوت البارود دويا في سكون الليل . ولكن أتدري ماذا أسفرت النتيجة ؟ . بعد لحظة لحق بنا القوماندان بنفسه يركض على قدميه يعربد ويزمجر بالمغربية بأعلى صوته فوقفنا مدهوشين إلا القزاز فقد هرب حالا وانزوى خلف الأثمار السدر التي كانت في ذلك الزمن تغطي جوانب الشارع وبقيت أنا والعم أبو عباس . سأل القوماندان بغضب متزايد موجها كلامه إلى العم أبو العباس فقال له : " ها أبو العبس لويش الطلاق ؟ جاكوا قوم ؟ جاكوا الإنكليز ؟ إنك . . . ؟ ها أبو العبس لويش الطلاق ؟ " ولم أستطع أن أصور لك ذلك الموقف وخصوصا العم أبو العباس ذو الدم البارد والذي كان في حالة غيبوبة من السكر فيجيب بأبيك اللّه يعلي مراتبك هذا القزاز جاهل يا سيدي . ولكن كما قلت كان القوماندان مغربي معروفين بالنرفزة والحرارة ثم يلتفت إلي وقال " واللّه واللّه ثم واللّه لولا واصف بك لقطعتك يا أبا العبس لويش الطلاق . " ولكن أجاب نهائيا أبو العباس ما فيش لزوم تقطعني أنا يا سيدي قطع القزاز زادت نرفزة القوماندان وزاد هياجه فأمر الجندي فركب حصانه وذهب توا إلى مقر الفرقة فأعطى الأوامر السريعة لكل الفرقة فحملوا في الحال وتركوا أريحا وفي لمحة من البصر لم تبق خيمة هناك ! ! وهكذا قد فش غله كما يقولون بالفرقة وكانت هذه الحادثة قصة مجتمعنا في أريحا نذكرها ونذكر ذلك القوماندان ونلعن القزاز الذي سبب لنا كل هذه المشقة . الرحلة الأولى إلى مدينة الكرك اتفق حسين أفندي الحسيني مع روشن بك مفتش المنزل بالقدس بأن يستورد الحبوب وخاصة القمح على مجال أوسع وكميات كبيرة من الشرق فتعاقد حسين أفندي مع الشيخ جلال العلمي والعم محي الدين أفندي الحسيني وقرروا على جلب كميات القمح من قضاء الكرك عن طريق البحر الميت . عملوا مراكب شراعية اثنين من أكبر الأحجام وتسلم مقر الشاطئ الغربي إلى الشيخ جلال للاستلام والشاطئ الشرقي غور المزرعة مقر العم محي الدين أفندي للتسليم . ذهبت لأول مرة بمعية حسين أفندي عن طريق البحر الميت وكانوا يسمون الشاطئ الغربي من البحرة [ الجديدة ] ولم يكن هناك إلا غرفة من اللبن « 1 » كبيرة وسقفها من البوص القصب حسب العادة وجميع من رغب النوم ينام فيها وقد خصص الشيخ جلال خيمة من القماش شادر بجانب هذه الغرفة . نزلنا البحر في المركب الشراعي الكبير وكان معنا البحرية ريحان الأسود وحسن الحافي بحري خبير من يافا . كان البحر هائجا وزاد هياجا بعد ركوبنا المركب فانزعجنا جدا ولم نستطع النزول إلا عند الساعة الحادية عشر ليلا وكان ظلام دامس والبحر مخيف من شدة الأمواج فقفزنا إلى الشاطئ بكل نفس زاهقة الموت ولما كان المرحوم حسين أفندي لا يعرف العيشة المتبعة أو عيشة الخشونة أذكر أنه عندما وصل الشاطئ ودعست قدميه اليابسة قال " صدق من قال " زراط البل ولا تسبيح السمك " ولكن أردف قائلا أين السمك من بحر الميت فإنه مياه خصوصا عندما تكون الأمواج متلاطمة تصبح وكأنها الزيت من الثقل والعياذ باللّه .
--> ( 1 ) الطين المجبول بالقش .