واصف جوهرية
215
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
العم محي الدين أفندي الحسيني كان العم محي الدين الحسيني من أبسط رجال عصره من حيث اللباس والأكل والحياة . فكان رحمه اللّه في منتهى الوضاعة والعطف على الفقير والغريب فتراه يلبس أرخص نوع من الأقمشة ومن فوقه الثوب البسيط وعلى كتفه الشالة البالية . كان يأكل ويعيش مع أصغر صعلوك فيحترمه ويؤانسه ويكرمه وكان يأكل مرة عند كل أربعة وعشرين ساعة . تقي وكريم النفس وكان يمشي المسافات الطويلة ولا ينقطع عن شرب القهوة السادة . كثيرا ما كان ينزل مشيا على الأقدام من القدس إلى وادي القلط وكان هذا المقر له مضافة لمن جاءه من البدو على إختلاف قبائلهم ليلا ونهارا فيستريح وينام ويأكل ويشرب مجانا ومتى شاء وبهذه الطريقة استطاع العم محي الدين أن يحبب البدو وأهل البلاد البعيدين عن المدينة فيه فهو من أحسن عائلات القدس حسبا ونسبا الأمر الذي جعله أن يصبح ثريا ومالكا لمساحة من الأراضي والمياه ليس أقل من ماية وخمسين ألف دونم ما بين القدس والبحر الميت وفي مواقع عديدة إلى يومنا هذا . شاهدنا العم محي الدين أفندي وهو أولا ابن عم حسين أفندي وصهره متزوجا أخته أم مصطفى كان يعيش في غور المزرعة لوحده بين أهالي تلك المنطقة وقد نصب سريرا من أعواد العطب ومن فوقه خص من القصب يصعد عليه عند النوم وتبقى شر الأفاعي الحشرات هناك . وجدنا بجانب سريره عريشة من البوص فنصبنا السراير السفرية لكل منا أنا وحسين أفندي ونمنا فأقمنا في ضيافة العم محي الدين في غور المزرعة يومين . الكرك بعد ما أقمنا يومين في غور المزرعة ضيوفا على العم محي الدين أفندي ركبنا الخيل حتى وصلنا عقبة تعرف بالخرزة ثم وصلنا إلى سيل الكرك المعروف وهو من أطيب ينابيع المياه في الشرق وأنفعها . والجدير بالذكر أن الأطباء ألمان أشارت على القائد جمال باشا أن يستعمل ماء هذا السيل فكانت تنقل الماء ضمن أوعية خاصة تعرف ( بالغناطيس ) وعلى ظهور البغال وترسل إلى المكان الذي كان يوجد فيه جمال باشا الكبير طيلة مدة الحرب العظمى الأولى . وقد أصبح ضفتي هذا السيل وكأنها جنة عدن بواسطة مهاجري الأرض اللذين سكنوا هناك مدة الحرب وزرعوا الأشياء النادرة من الخضروات . وإني لم أزل أذكر تلك العقبة التي طلعناها من السيل إلى مدخل مدينة الكرك فقد كانت وعرة ومن حجر الصوان ونزلنا في الدير ضيوفا على رئيس الدير المرحوم الأرشمندريت إينخاريوس فأقمنا عنده على الرحب والسعة مدة عشر أيام فاجتمع حسين أفندي مع المعروفين من شيوخ القبائل المسلمين والمسيحيين منها وأمن شراء القمح وتسليمه إلى العم محي الدين أفندي في غور المزرعة والذي كان بدوره يستلم ويسلم القمح بواسطة المراكب الشراعية إلى العم الشيخ جلال الدين العلمي في الضفة الغربية من البحرة .