واصف جوهرية

مقدمة 25

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

كان واصف ، كمؤرخ وموسيقي عصامي ثقف نفسه بنفسه ، يمتلك ذاكرة فوتوغرافية مكنته من تذكر الأحداث ، لا الدرامية منها فحسب ( دخول جمال باشا ، ولاحقا اللورد اللنبي ، إلى القدس ) ، بل أيضا نقل نشوة التفصيلات المثيرة للحياة اليومية . ومن خلال مرافقته لوالده - المحامي المدرّب الذي عمل مديرا لأطيان سليم أفندي الحسيني الريفية في قرية دير عمرو ومحيطها - استطاع أن يلاحظ ، بصورة مباشرة ، الروابط القائمة بين أرستقراطية القدس الإقطاعية وبين الفلاحين سكان القرى المحيطة . وعندما كبر واصف في كنف والده ، استطاع أن يصوغ لنفسه شهرة محلية بصفته عازف عود وملحنا من الدرجة الأولى . وبينما كان يؤدي موسيقاه في قصور أعيان القدس ، سجّل - بكثير من الظرف والسخرية - النسيج الاجتماعي لحياة فقراء المدينة وأغنيائها . والنتيجة هي صورة حميمية لحداثة القدس العثمانية في اللحظة نفسها التي كانت الصهيونية على وشك الصدام بالحركة الوطنية الفلسطينية الناشئة . يروي جوهرية قصة دخول الفونوغراف والسينما إلى مقاهي المدينة سنة 1910 ، والدهشة التي استولت عليه عندما رأى الصور المتحركة أول مرة في المسكوبية ( " وكان رسم الدخول بشلكا عثمانيا ، يدفع عند المدخل " ) . وفي سنة 1912 ، رأى أول مرة عربة من دون حصان ( " سيارة فورد " يسوقها السيد فيستر من الكولونية الأميركية ) في متنزه البلدية بالقرب من شارع يافا . وفي صيف سنة 1914 ، ركب حمارا مع والده إلى البقعة في ضاحية القدس الجنوبية ، ليشاهد هبوط طائرة عسكرية عثمانية فيقول : " كانت المدينة مقفرة من سكانها في يوم الصيف الحار ذاك . وجمع البائعون المتجوّلون ثروة من بيع الماء " . ولسوء الحظ ، تحطمت الطائرة في سمخ ( طبرية ) ، وقتل طياراها التركيان ، الضابطان نوري وإسماعيل . وقد ألّف واصف مرثية خاصة على شرفهما ، غنّيت - كما يدّعي - في أنحاء البلد كافة . وفي خريف تلك السنة ، استطاع أن يكون حاضرا في جنوب القدس ليشاهد هبوط أول طائرة في البقعة الفوقا ، يقودها ضابطان ، ألماني وتركي . وواصف الذي كان منخرطا بعمق في شؤون الطائفة الأرثوذكسية العربية ، يبدي مع ذلك تعلقا فريدا بالثقافة الإسلامية لمدينته . وترغمنا رؤياه على إعادة النظر في المعرفة التقليدية بشأن بنية القدس الطائفية والمذهبية في العصر العثماني المتأخر . وعلى سبيل المثال ، قصص لا حصر لها - الكثير منها فضائحي وهزلي - ترسم صورة حية لتعايش عميق الجذور بين عائلات مسيحية ويهودية في قلب ما أصبح يعرف بالحي الإسلامي . ولم يكن ذلك تجاورا متسامحا لأقليات ذمّية تتمتع بالحماية ، وإنما كان انخراطا إيجابيا في شؤون الجيرة ، كانت تشكل ديانتها اعتبارا ثانويا بالنسبة إلى تراثها المديني الأوسع . كذلك ما من شك في أن عائلة جوهرية على الرغم من وعيها العميق بتراثها الأرثوذكسي ، كانت أيضا ذات انتماء عميق إلى الثقافة الإسلامية . وقد جعل جريس أبناءه يقرأون القرآن ويحفظونه في سن مبكرة . وعندما مات في أيلول / سبتمبر 1914 ، رثاه خليل السكاكيني ( " بموت جوهرية انتهى عصر الظرف " ) ، وتبعه الشيخ علي الريماوي - صديقه الحميم : " لم أصدق أن روح الجوهرية تبقى في [ مقبرة ] صهيون . بل تنتقل في هذه الليلة إلى [ مقبرة ] مأمن اللّه " ! ! ومثل هذا الموقف يتجاوز بمسافة كبيرة أنماط التعايش العادية التي كانت رائجة في ذلك العصر . ويلاحظ واصف كيف أن عوانس من الطائفة الأرثوذكسية بدأن يتمتمن : " يوه . . يبقى هيك ؟ . . صاير مسلم . . يا أختي من كثر ما بيعاشر المسلمين ! ! إلّا . . وهكذا انكسفت والدتي وحاولت أن تدافع عنه . " وكما هي الحال في كتابات خليل السكاكيني المتمردة على الدين في عهد الانتداب ( وخصوصا في " كذا أنا يا دنيا " ) ، فكثير من نوادر جوهرية يتحدى المحرمات الاجتماعية والدينية بشكل لا نستطيع تصوره في أجواء التفكير السائدة اليوم . والقليل منها يمكن نشره في الوقت الحاضر ، إمّا لأنه قد يستدعي دعاوى التشهير ، وإمّا لأنه يتبنى موقفا قد يفسر ( خطأ ) بأنه مثير للمشاعر الدينية . صورة لخليل السكاكيني في بداية القرن العشرين . المصور : خليل رعد . من أرشيف عائلة السكاكيني .