واصف جوهرية
212
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
في أريحا . وصادف أن القائد الأعلى جمال باشا حكم على أحد بالشنق فشنقوه في صباح ذات يوم من على هذا البلكون على مرأى من الشعب للعبرة وكانت عملية الشنق غير محكمة علميا وطبيا وهكذا بقي المشنوق حيا ولم يفارق الحياة بل تألم جدا وكنا نرى هذا المنظر المؤذي المؤلم بحسة وشفقة ولكن ماذا الذي يجري على التكلم . والأنكى من هذا كله أن القائد أمر بأحد الجنود [ واسمه أنطون من طائفة اللاتين بالقدس كان يخدم عاملا في الجيش نعرفه وسهر معنا في بيت العم الياس القزاز وسكر ] أمر القائد فوقف أنطون على البلكون ثم صعد وقفز من على حائط البلكون الخشبي أيضا ووقف على أكتاف المشنوق المسكين متصلقا بيده بالبلكون وقد زاد الثقل على هذا المشنوق فأصبح والعياذ باللّه بصورة لا يستطيع المرء أن يشاهدها فقد برزت أعينه من وجهه وهكذا كانت العرب على بلكونات المشانق بسبب ظلم وقسوة أحمد جمال باشا وتركيا بأسرها وإني أكتب هذه الحادثة الأليمة وقلبي يتقطع حسرة عندما أذكر ذلك المشهد المؤثر . علي عباس الجاعوني لأجل الصدف وجدت الأخ علي عباس الجاعوني موظفا في أريحا سنة 1915 فزاد سروري لأنه من أشهر متذوق لفن الموسيقى ومن هواة أهل بيت المقدس وهكذا ساعدني الحظ في هذه الفترة أن أكتسب منه مجموعة قيمة من أغاني موسيقى مصر القدماء أمثال عبده ومحمد عثمان والشيخ يوسف المنيلاوي . كان يقيم في غرفة في دير الروم الأرثوذكس بجوار الكنيسة وكنت أقضي معه الساعات الطوال وقد دخلنا في فصل الصيف فكنا نجلس في غرفة ونشلح هدومنا إلا السترة ، ونأكل الخبز البلدي مغموسا بالسمن الصافي لوحده ، وإنها أكلة تبرد حرارة الجسم وتغذيه . من عرف أبا عباس يعلم أن هذا الشخص كان يتذوق النكتة وله اصطلاحات نادرة في طريقة كلامه فمثلا " إذا ما دخلت عليه وطرحت عليه السلام السلام عليكم " فيجيب بالحال " وعليكم السلام وبركاته شو عليه إحنا لبعضينا " وإذا ما التقى بك على الطريق يقول لك نهارك سعيد ؟ أي شبه سؤال . كنت مرة ماشيا معه في الشارع وإذ صادف أن سائلا يسأله حسنة ، وقد صادف أن ولدا كان يأكل الكعكة بجانبه فما كان منه إلا أن أخذ الكعكة بلباقة من يد الولد وأعطاها إلى الفقير ، وكان منظرا مثيرا ومضحكا للغاية إذ حاول الولد استرجاع الكعكة من الفقير ولكن أين له أن يسترجعها بعد ما وصلت إلى يده . تعلمت منه رحمه اللّه موشح كلي يا سحب تيجان الربى بالحلى وإجعلي سوارك منعطف الجدول الخ . من مقام الجهاركاة وكان من أبدع ما قيل من موشحات المرحوم عبده وعلى الطريقة المصرية وعند آخر شطرة من هذا التوشيح يقول " لأن الحبيب يا خونا في منزلي آه " والحق يقال كان هذا الموشح كما يقولون معنى ومغنى . ثم بعض القصائد أمثال " اللّه يعلم أن النفس هالكة بالياس منك ولكني أمنيها ، قفي يا أميمة القلب ، نقض لبانة ، أفديه أن حفظ الهوى أو ضيع للموسيقار أبو العلاء محمد كذلك غيري على السلوان قادر منه أيضا . ثم وهواه وهو [ ؟ ] وكفى به قسما أكاد أجله