واصف جوهرية
211
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
السلطان . فقد أرسل بعض رجاله وأشاع أن جمال باشا سيزور أريحا قريبا من القدس . ثم رتب حاشيته بالصورة الآتية : أربعة سواري في الأمام ثم خلفهم هجين ، ثم عربة كمال بك راكبا فيها يسوق الخيل الخاصة وأنا بجانبه أعزف على العود ، ثم ستة من الهجين خلف العربة . ولأجل ضبط الحيلة سلكنا الطريق التي كانت زقاق بعد في ذلك الزمن [ ] من دار إسماعيل بك إلى باب دير اللاتين الآن ودخلنا أريحا على هذه الصورة والجميع يشوبش وأنا أغني بأعلى صوتي وأعزف العود وهكذا لنقنع أهالي بأن جمال باشا أتى عن طريق القدس . وهكذا خرجت التجار وأصحاب المنازل والمساكن إلى أن وصلنا إلى الساحة مقابل مقهى ياني وزوجته . وقد صدق من قال وعند صفو الليالي يحدث الكدر . توقفت حالا عن العزف والغناء وجهدني العرق من الخوف والخجل ، لماذا ؟ ، وإذا شاهدت حسين أفندي الحسيني ومعه المرحوم علي النقيب الحسيني والعم أبو رباح وقد تحضرا مع من كان حاضرا بجوارهم فوقفوا إجلالا واحتراما لجمال باشا . سألني كمال بك ما بالك تبنجت ؟ أجبته أنه حسين أفندي الحسيني وهو الذي أرسلني إلى أريحا لإستلام الأغلال الخ . نزلت حالا من الفيتون العربة ثم لحقني كمال بك بعد ما صرف الحاشية ، وتعرف مع حسين أفندي ودار ما بينهما من الحديث باللغة التركية وكان كما علمت كله عتاب ثم التفت حسين أفندي إلي ، وقال لي هذا شغلك يا واصف ؟ يا للخسارة قد ضاع أملي فيك أتريد أيضا أن تقضي على حياتنا بهذه الألاعيب السياسية فتمثل دخول الحاكم بأمره جمال باشا ؟ اللّه اللّه صحيح الحق علي أنا فالولد ولد وأنا صامتا لا أبدي أي كلمة إلى أن أقنعه كمال بك ولأول معرفته به فأثر عليه لما كان عليه من شخصية بارزة فهدأ روعه وأخيرا أتدري ماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة بأن حسين أفندي وعلي أفندي النقيب كانا على رأس مائدة كمال بك في غرفته الصغيرة والكبيرة في مقامها بحضور قومندان المنطقة وسر طبيب الجيش وكثيرا من الضباط ذات المراتب العالية وبقينا لغاية الساعة الثانية ونصف صباحا . وإثرا على معرفة حسين أفندي الحسيني بكمال بك إستفاد الأول كثيرا بواسطة كمال بك هذا وفتح له أبوابا جديدة من اليسر مع القادة وخصوصا مع سعد اللّه بك أركان حرب الحبش بالقدس . مشنوق أريحا عندما كنت سنة 1915 في أريحا كانت دار عائلة البيضة من طائفة الروم الأرثوذكس العرب واقعة آنذاك من الجهة الجنوبية لساحة أريحا العمومية تماما إنما تقسمها الطريق العامة وهي ذات الموقع المقام عليه دائرة بلدية أريحا الحجرية الآن وقد بقي على ما أذكر قسما من البناء اللبن العائد لعائلة البيضة ليومنا هذا . أخذت الدولة هذه العمارة واستعملتها دائرة الجيش المعروفة ( المنزل ) وقد كان فيها بلكونا من الخشب يطل على ساحة أريحا . وقد خصص هذا البلكون زمن الحرب للمجرمين فقد استعمل مشنقة بدلا من أن تنصب المشنقة على حدة