واصف جوهرية

210

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

حياتي في أريحا مع الضابط كمال بك تعرفت وأنا في وظيفة استلام الحبوب في أريحا كما بينت سابقا بضابط تركي يدعى كمال بك ملازم أحد ضباط فرقة البيطرة ( أي المحافظة على الحيوانات للجيش ) . كان كمال بك من أجمل شبان عصره طويل القامة باهي الطلعة أبيض اللون عيونه جذابة ولونها عسلي أنيق في لباسه وحياته يدل على أنه ابن نعمة ومن أرقى عائلات الأتراك في الإستانة . فقد كنت ألاحظ في جلساتنا أن أكثر الضباط اللذين أكبر منه سنا وقدرا بالوظيفة يطلبون رضاه ويحترمونه ويحبونه حتى إني أقولها صراحة أن روشن بك ذاته كان يعبده وزد على ذلك فإنه كان يعيش عيشة بذخ وإسراف فإذا ما دخلت غرفته ترى على سبيل المثال ليس زجاجة كنياك بل صندوق ملآن من الكنياك الممتاز ( متكساس ) . وهكذا وكان بحكم وظيفته وجوده وكرمه يتحكم بجميع موظفي دائرة البيطرة التابعة للجيش من كبيرها وصغيرها ، ولكن بطريقة لطيفة ومتواضعة جدا وعليه كان مجموعة تحت أمره من الخيل العربية الأصيلة ثم الجمال وخصوصا تسعة منها هجين بكامل عدتها العربية الأنيقة وفوق هذا كله كانت له عربة صغيرة وعلى العجل الكوتشوك تجرها رأسين من الخيل الموردي بما يسمونها فيتون وهو الذي كان يجلس داخل هذه العربة ويسوق الخيل بنفسه بصورة تدهش كل من رآه فيها . وكان كمال بك مدمن على الخمر وجسمه يتحمل الشرب وإذا سكر يزداد جمالا ولطفا ووضاعة وكرم . ولما تعرف علي آنسني وأحبني جدا وجعلني واللّه يشهد كمرافقه الخاص في جلساته النادرة وفي سهراتها المشهورة في أريحا . كان يسكن الغرفة المقامة في حديقة دير اللاتين زمن الحرب العظمى والتي أشرت عليها في مستهل حديثي ( لمحة عن أريحا ) وكانت هذه الغرفة والحق يقال تدعى ببيت الأمة ، وقد لاقت هذه الغرفة من ليالي سمر ومجالس أنس يصعب على الكاتب وصفها بالرغم من صغرها ، ومن المواظبين على هذه الغرفة كان الأخوان إبراهيم سعيد الحسيني وعبد اللطيف الحسيني . وهكذا عندما كنت أفرغ من استلام الحبوب من البدو وخزنها في دكاكين الميري ، أرجع إلى كمال بك ونبدأ بوضع الخطة للنزهة في ذلك النهار وعندها تسير معنا قافلة من الخيالة والهجانة عبارة عن 9 - 12 شخصا دائما أبدا إما إلى نهر الأردن أو بساتين دير حجله أو النويبة فنقضي نهارا بالغناء والعزف على العود والرقص ونرجع وكأننا في زفة العريس فنخترق شوارع أريحا الضيقة ونمر من المركز الرئيسي فتخرج الناس لمشاهدة هذه القافلة . فمرة أكون وكمال بك راكبين الهجين وأخرى راكبين الخيل ومرة في الفتيون وهكذا . وعلى هذه الصورة قضيت أيام وليالي لن أنسى لذتها وحلاوتها ما دمت حيا . ما أحلى الصبا وأيامه وإني أذكر للقارئ هذا الحادث الغريب من نوعه الذي صدر منا في أريحا يبرز فيه منتهى الطيش والطرب . ذهبنا من بعد ظهر ذات يوم برياسة كمال بك ومعنا الحاشية المعروفة بالخيل والهجين إلى عين السلطان وقضينا ما يقرب من ثلاث ساعات على الطرب والكاس ، الأمر الذي جعل كمال بك يبتكر فكرة يلفت أنظار أهالي أريحا عند رجوعه من عين