واصف جوهرية
مقدمة 24
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
تنامي المدينة الحديثة توفر يوميات جوهرية للمؤرخ الاجتماعي سجلا معاصرا فيما يتعلق بتنامي المدينة خارج أسوارها أيضا . ومع أن أحياء الشيخ جراح ويمين موشيه والوعرية كانت أنشئت قبل زمانه ، فإن واصف يروي قصة تنامي حي المصرارة وحي المسكوبية على امتداد طريق يافا في صباه ، ثم أعقبهما حيا الطالبية والقطمون في الثلاثينات من القرن العشرين . وكان شاهدا على تدشين الطريق الجديدة التي تصل البلدة القديمة بالمصرارة ، برعاية رئيس البلدية فيضي العلمي سنة 1906 . وشهد هذا التوسع - وآخر مثله سبقه في البقعة - انتقال مئات العائلات ( كثير منها مذكور بالاسم هنا ) إلى مبان حديثة من القرميد والأسمنت المسلّح بقضبان الحديد . واستمر سكان جميع هذه المساكن الجديدة في بناء أحواض تتغذى بمياه الأمطار في أفنيتها ، لقضاء حاجاتهم اليومية في فترات صيف القدس الطويلة والجافة . وإلى هذه الأحياء أدخلت أيضا وسائل الحداثة : الكهرباء - أولا في مجمّع نوتردام قبالة البوابة الجديدة تماما ، والسيارة على طريق يافا ، والسينما ، وفوق ذلك جميعا الفونوغراف الذي أدخل جوهرية إلى عالم سلامة حجازي وسيد درويش . وتخصّص المذكرات فصلا طويلا للموسيقى والحياة الفنية في القدس خلال العهد العثماني . وهي تشمل قائمة طويلة من صانعي الأعواد ، وعازفي العود ، والراقصات ، والمغنين والمغنيات . وكثيرون من هؤلاء أدوا أدوارهم كفرق عائلية في أعراس محلية ، ولاحقا - خلال فترة الانتداب - في المقاهي والكباريهات خارج المدينة المسوّرة . وتزودنا ملاحظات جوهرية ، بالإضافة إلى شروحاته عن أنماط التقاليد الموسيقية التي كانت رائجة في فلسطين في بداية القرن ، مصدرا أصيلا وفريدا عن تحديث الموسيقى العربية في بلاد الشام ، وعن تأثير محدثين كبار ، مثل الشيخ يوسف المنيلاوي وسيد درويش ، في عواصم الأقاليم الشامية كالقدس . « 1 » وفي مفكرته الموسيقية ، التي كتبت قبل نهاية الحرب ، ابتكر أسلوبا لكتابة العلامات الموسيقية ، يحول نظام نغمة الربع العربي - العثماني الخاص بالعود إلى نظام النوتة الموسيقية الغربية . « 2 » ترعرع واصف في بيت كان أبناؤه إمّا موسيقيين هواة ، وإمّا عازفي عود ، وإمّا مستمعين من الطراز الراقي ( " فقط أخي خليل لم يكن قادرا على تمييز النغم الجيد من السيئ " ) . وتعامل أبوه جريس مع التجاويد القرآنية على أنها شكل من الموسيقى ، وعلّم أبناءه التمييز بين صوت المؤذن الجيد والصوت الرديء . وفي إحدى سنوات ما قبل الحرب ، قاد جريس وفدا من حارة السعدية إلى دائرة الأوقاف للمطالبة بتبديل المؤذن المحلي ، الذي كان لا يطيق صوته . وعندما اعترض الموظف المسؤول على جراءة أبي خليل المسيحي التابعية المطالب بإبعاد المؤذن ، رد عليه بقصيدة مفعمة بالتورية : سمعت مؤذنا يؤذي بصوت * لسامعه وقد أذن الآذانا فقلت وقد أذت منه أذني * آذان تقصد أنت أم أذانا ؟ وعندما نمي إليه أن المؤذن كان يتيما فقيرا ، وعليه أن يعيل عائلة كبيرة ، اقترح جوهرية الأكبر أن ينقل إلى الجامع القريب من منطقة سعد وسعيد ، حيث كان عدد أقل من الناس يقطنون ، وبالتالي يتحملون أذى صوته . « 3 » وقد راقت في النهاية هذه الفكرة لدائرة الأوقاف ، واستبدلت الشيخ إكراما لجوهرية .
--> ( 1 ) واصف جوهرية [ " الدفتر الموسيقي " ] ، من دون عنوان ، من دون تاريخ ، وهو غير منشور ، 576 صفحة . ومن الواضح أن هذا المخطوط المكتوب باليد ، والمهدى إلى السلطان العثماني ، والذي يحمل التوقيع " واصف جوهرية . . القدس الشريف " ، كتب في العهد العثماني ، وهو مقسّم إلى خمسة فصول : 1 ) موشحات وأناشيد ؛ 2 ) مذاهب وأدوار ؛ 3 ) " أغاني حبّ " ؛ 4 ) قصائد ومقطوعات رباعية ؛ 5 ) طقاطيق وأغاني . ( 2 ) المصدر نفسه ، " تركيب النوتة الإفرنجية على أوتار العود " ، صفحة 9 - 10 . ( 3 ) أنظر صفحة 156 .