واصف جوهرية

193

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

وأصبح سلفها خليل ثم صالح يشار إليهما بالبنان لدخولهم في خدمة الجيش وكان المسيحي يؤخذ للصنعة وليس لحمل السلاح فمنهم من كان نجارا أو حدادا أو حمالا أو كناسا . إختفى العم أبو يانكو عن الدولة فحشرناه في دار الجوهرية لوحده وقد تركنا فعلا هذه الدار خاوية زمن الحرب وانتقلت والدتي وأخي فخري وعاشت مع الأخت عفيفة في دار الخوري يوسف ملك البطريركية الأرثوذكسية الواقعة بجوار جمعية الشبان المسيحية الآن . وكان الأخ خليل في بيروت في سلك الجندرمة وتوفيق عسكري في فرقة الموسيقى وأما أنا فكنت دائما بمعية حسين أفندي الحسيني فأقمت عنده في البيت . وهكذا بقيت الأخت جوليا مع سلفتها أم يانكو بدون معين سوى اللّه طيلة أيام الحرب فذاقت ألوان الفقر والجوع مع أولادها لعند ما أنتهت الحرب وفتحت الطرقات ورجعت إلى أميركا لزوجها سنة 1920 تندب سوء حظها . أما العم أبو يانكو فقد قضى مدة طويلة كناسك في دار الجوهرية لوحده وكان الأخ فخري يحمل له الطعام يوميا بتستر ويقظة ويرجع ومعه أخباره وإلى زوجته أم يانكو والأخت جوليا . الموسيقار عمر البطش في أوائل سنة 1915 كنت بمعية حسين أفندي أعزف وأغني في سهرة لضباط الجيش وذلك في دار الحاج خليل النشاشيبي على ما أذكر بجوار كنيسة الأحباش خارج السور وكان يقيم في هذه الدار الضابط المدعو [ ناقص في الأصل ] . وكان من بين الحضور القولاغاصي ثم أحمد أفندي اليوزباشي مدير فرقة الموسيقى للجيش بالقدس والمعروفة باسم فرقة إزمير مؤلفة من خمسة وستين قطعة نفخ للموسيقى ومعه شاب جلس بجواري وبدأ يغني التواشيح الأندلسية بطريقة لفتت أنظاري ولم أكن أسمع لهذا اللون من الغناء وعلى هذا الأصول من قبل . تجاذبنا الأحاديث في فن الموسيقى وعرفت بأن اسمه السيد عمر البطش من أهالي حلب يعمل الآن في فرقة الموسيقى التي ذكرتها آنفا وصحبة أحمد أفندي المدير . ونظرا لشدة ميولي لفن الموسيقى حاولت الاجتماع به في سهرات عديدة بين الضباط وكذلك بين عائلات اليهود والعرب بالقدس الأمر الذي زادني إعجابا به وبمحفوظاته القيمة وكان صوته مسموعا ويتحكم بالألحان تماما وقد سر من عزفي عندما كنت أترجم ما كان يغنيه معي لأول مرة . شاء القدر أن يستمع مدير فرقة الموسيقى لأخي توفيق عندما كان يلعب على آلة الفلوت في ليلة ما معي وقد سر منه وشجعه بأن يدخل فرقة الموسيقى وهذا كان لحسن حظه . أما أنا وكنت لا أزال صغير السن فقد ساعدني حسين أفندي فطلب من السيد عمر البطش بأن يعلمني بعض التواشيح وضبط إيقاعها فقبل وأظهر رغبة صادقة وكان رحمه اللّه طيب القلب أنيس ولطيف ومتواضع فهو ولا شك فنان أصيل وهذا هو معشر الفنان .