واصف جوهرية

188

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

أول شغلي في الحياة هكذا توفي الوالد ، وأغلقت مدرسة السان جورج الإنكليزية ، وأصبحت البلاد في حرب ولكن لحسن حظي فقد أرسل اللّه سبحانه وتعالى أبا ثانية ألا وهو سيدي حسين أفندي الحسيني الذي كان حقيقة أخا صادقا للمرحوم الوالد وكان يعطف علي أنا خاصة من بين إخواني وبواسطته دخلت المدرسة الدستورية ثم مدرسة سان جورج وهكذا بعد وفاة والدي وإنها أيام العز وأرسل إلي فواجهته في دائرة البلدية فقال : " إسمع واصف : ثق بأنني إتخذتك كولد من أولادي منذ الآن لما كانت ولم تزل الرابطة القوية ما بين والدي ووالدك ثم اتصلت هذه الرابطة معي أنا وكان والدك دائما يوصيني بك في حياته وبعد مماته ولذلك فأنت منذ اليوم تكون معي أينما كنت وأين ما رحلت ولا تفكر بأي شيء يلزمك في هذه الحياة ويكون براتبك في البلدية من جيبي الخاص لآجل أن تكون مربوطا معي مباشرة وليس لأحد عليك أمرا من موظفي البلدية بل على كل حال من واجبك احترام الجميع وتواظب على خدمتك بكل دقة وأمانة التي أعهدها فيك . وأما من جهة البيت فطمئن الوالدة بأن لا تفكر أبدا بالمؤونة وسأساعد أخيك خليل أيضا في بيروت من وقت إلى آخر . " فشكرته من كل قلبي وقبلت يديه . أخذني وعرفني على جميع الموظفين والأعضاء ثم سلمني مفتاحا صغيرا ( ييل ) لقاعة الصالون لأجل استلام جميع ما يجمع من الشعب إعانة للجيش وكانوا يسمونها ( التكاليف الحربية ) لأكون أمينا على حفظها بعد ما امتنع عن سرقات عديدة من هذا الصالون . كان العم صالح أفندي العلمي الرئيس الأول لشاويشية البلدية رئيسا للجنة جمع التكاليف الحربية بواسطة دائرة بلدية القدس وتحت إشراف أحد ضباط الجيش فكانوا يدخلون كل مخزن من مخازن الشعب في المدينة وخصوصا اليهود منهم ويجمعون الكميات الكبيرة من كل نوع يحتوي عليه هذا المخزن والجدير بالذكر أنني كنت أستلم مرات عديدة كلسات سيدات ، ثم دوميات وألعاب الأولاد والأطفال وكنت أتسائل في نفسي يا إلهي هل من الواجب وجود هذه الأشياء في ساحة القتال ؟ ، ولكن بعد مدة عندما كونت فكرة ما لدولة تركيا من إستبداد ومظالم وحب الانتقام خصوصا للعرب وجدت بأن هذا قليل من كثير بالنسبة إلى ضياع شبان العرب المخلصين على أعواد المشانق . لم أتهاون على المحافظة على محتويات هذا الصالون بكل دقة وأمانة . ولم أسلم مفتاحه لأحد قط في الدائرة إلا للعم أبو سليم الذي وضع ثقته في وهكذا أذكر مرة بأنه نادى علي فدخلت قاعة مجلس البلدي وكان حسين أفندي يترأس المجلس آنذاك فخجلت عندما شكرني جميع الأعضاء على أمانتي في حفظ محتويات الصالون من التكاليف الحربية بدون أي قيد ولا سجل .