واصف جوهرية

133

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

فتجي صورة أخرى وهكذا . وبالطبع هذه الصور تكون على عامود خشبي مشابها للعامود الأول في طرف الصندوق الآخر . يوجد في هذا الصندوق خمس إلى ست نظارات فكنا نجلس على مقعد خشبي ونشاهد الصور ونستمع إلى صاحب الصندوق الذي يكون يشرح لنا بأعلى صوته : هذه مصر مصر ، هذه تبهر الظهر . وشوف يا حبيبي شوف ، وتفرج وشوف يا سلام ، شو أحوالك على التمام إلى ما هنالك من اصطلاحات تجلب الزبائن من الأولاد أمثالنا لمشاهدة صندوق العجم . يكون عادة صندوق العجم أو العجب متنقل في الشوارع وخصوصا في إحتفالات ومواسم مدينة القدس . وخوفا من العين " عين الحسود " يكون معلق عليه من الخارج خرز أزرق وشبه رأس ثوم وكنا نترقب حضوره لمدينة القدس باهتمام زائد . الحكواتي كانت العادة في مقاهي مدينة القدس داخل السور البلدية أن يحضروا بما يسمونه الحكواتي لأجل الترفيه عن الزبائن وإغرائهم بشيء يميلون إليه ويقبلون على الحضور إلى المقهى خصوصا في ليالي الشتاء . كان يجلس الحكواتي على منصة مرتفعة في صدر المقهى ويكون قبلة المشاهدين والمستمعين . ويقرأ بصوته العالي قصص عنترة وعبلة وأبو زيد الهلالي والأمير عمارة لما في هذه القصص الشعبية من معنى ومغزى في البطولة والنخوة والشرف والفروسية . وكان الأخ الحاج جودت بن موسى الحلبي من أهالي مسلمين القدس المعروفين في صباه له ولع خاص في قراءة هذه القصص وكان يقرأ في مقهى عبد اللطيف في محلة باب حطة وكان الإقبال عليه عظيما فكان يحضر لياليه سكان محلة البقعة الفوقا بالقدس في البرد والأمطار إلى منتصف الليل لما كان لديه من صوت جمهور مشبع وشخصية عظيمة ، يجيد القراءة ويحسن الإلقاء والمنطق ويعطي الكلمة فتخرج من فمه بمعناها الحقيقي وكأنه بطل تلك الرواية وكان يقرأ عادة رواية عنترة والأمير عمارة فكانوا يواظبون الاستماع إليه ولا ينقطعون ليلة واحدة إلى أن تتم القصة كاملة وبهذه الطريقة كانت شبان ذلك الزمن تتلقن وتتفهم إلى الوطنية والشرف والانتقام من المعتدي وكل ضروب الفروسية وينبذون من كان متخنثا منهم . وقد حضر بعده رجل مشهور من الديار المصرية واسمه الحاج محمد المصري وكان من أعظم وأشهر المقرئين في عصره فأبدع أيما إبداع في هذا الفن كما شهد فيه الحاج جودت الحلبي بنفسه . وكان الإقبال عليه عظيما واشتغل في ذات المقهى العائد إلى عبد اللطيف والواقع في محلة باب حطة .