واصف جوهرية
مقدمة 13
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
آنذاك ، فهي وإن كانت بلا شك كذلك لكنها ليست محط اهتمامنا الرئيسي إذا ما أخذناها بمعزل عن مشروع واصف جوهرية الشامل . وهذا ما سنأتي إلى ذكره لاحقا . تقع قيمة الوثيقة الجوهرية في كون كاتبها شاهدا على عصره أكثر منه مشاركا فاعلا في أحداثه . وكون المذكرات تدون لأحداث خاصة أحيانا ، تتعلق بعائلة الكاتب أو بأصدقائه أو بمعارفه الآخرين ، لا يقلل أهميتها شيئا . فواصف يصف عبر شبكة علاقاته هذه عملية دخول مظاهر الحداثة إلى المدينة ، مثل وصفه دخول الكهرباء ، ودخول السيارة الأولى . وكذلك هو يؤرخ لتبعات دخول أدوات وأجهزة حديثة ، مثل بابور البريموس أو الغرامافون ، واصفا لقارئه الطريقة التي غير استعمال هذه الأدوات والابتكارات حياة الناس والمجتمع القدسي في ذلك الحين . زد على ذلك أن واصف جوهرية بصفته موسيقيا مقدسيا يقدم لنا صورة حية للأجواء الموسيقية والفنية في القدس في زمنه ، مؤرخا لمن كان ذا شأن آنذاك في الحقل الموسيقي . وهو أيضا يعطينا صورة مختلفة عما نعرفه اليوم لنوعية العلاقات ما بين أبناء مختلف الأديان والطوائف في المدينة . كما تزودنا المذكرات عدة صور تصف أفراح المقدسيين وعادات لهوهم عبر وصف أجواء المقاهي والسهرات الليلية ، وفي الوقت ذاته تصف لنا أتراح الناس والتقاليد المرتبطة بالوفاة ، وخصوصا في الأجزاء التي يصف واصف وفاة أبيه ، أو وفاة رئيس البلدية سليم الحسيني . كذلك الأمر فإن المذكرات تصف لنا أيضا علاقة أبناء القدس بالمسؤولين المحليين والعثمانيين ، وعلاقة السلطات المحلية - ممثلة بالبلدية - بالسلطة المركزية . أمّا على المستوى الأعم والأكبر ، فواصف يعطينا وصفا لأوضاع الجيش العثماني في إبان الحرب العالمية الأولى ، ولاحقا الإدارة البريطانية في فلسطين ، راسما صورا تفصيلية لتنقلاته مع أبيه ، ومن ثم وحده ، بين المدن والقرى المتعددة من خلال علاقته بعائلته وبالعائلة الحسينية في القدس . والمذكرات أيضا تصف لنا علاقات عائلة واصف المسيحية المقدسية التي تتفاعل مع المشهد الإسلامي كجزء منه ، وبالتالي فهي تصف نوعية العلاقات ما بين أبناء القدس المسلمين والمسيحيين واليهود . وأصف جوهرية ينقل لنا صورة في هذا الإطار لم نعهد رؤيتها منذ فترة طويلة عن الانفتاح الديني في المدينة . وبالتالي فإن مذكراته تشكل من دون أدنى شك ، مصدرا مهما في دراسة تاريخ مدينة القدس الاجتماعي ، في مرحلة الانتداب البريطاني ونهاية الحكم العثماني . إن ما يجمع كل هذه الموضوعات معا ويجعلها وحدة واحدة في نص مذكرات المؤلف هو ، تحديدا ، أنها أحداث ووقائع مقدسية . وهنا ، في رأيي ، تكمن أهمية المذكرات الرئيسية . فهي تشكل ، أولا وقبل كل شيء ، سردا لحياة القدس ؛ ذلك بكونها مذكرات مكان أكثر من كونها مذكرات شخص . وهذا النوع من الكتابة ، بحسب ما يشير دي سورتو ، " يحوي في داخله جهدا يحول الأمكنة إلى فضاءات ، كما يحول الفضاء الاجتماعي إلى مكان " . « 1 » فالقصص التي يرويها واصف تخلق القدس وتصبح جزءا من المدينة كمكان تماما ، كما تصبح القدس جزءا من الفضاء الذي يشكل الرواية فتغدو المواقع مرتبطة بأشخاص وأحداث تماما كما تغدو الأحداث جزءا من معرفة المدينة ذاتها ( الأمثلة لهذا كثيرة في النص ، منها مثلا وصفه لحارة السعدية في القدس ولبيت جوهرية فيها ) . وهنا تكمن أهمية مشروع الجوهرية الشامل والذي يحوي ، إلى جانب المذكرات ، مخطوطة نادرة تتضمن الأغاني التي عرفها واصف وغناها خلال حياته ( وهي في حيازة أبنائه ) وتسجيلا قصيرا لنماذج من هذه الأغاني تركها خصيصا لأحد أحفاده . لكن الجزء المهم من مشروعه يبقى ، من دون شك ، الألبومات السبعة المصورة التي تركها لنا مع مخطوطة مذكراته ، مرفقا بها مخطوطات توضيحية عن الصور واحدة فواحدة . هذه الألبومات ، التي أودعها المؤلف مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت مع مخطوطة مذكراته ، على ما يبدو من النص ، قد افترض مؤلفنا أنها ستنشر سوية مع مخطوطته ذات يوم ؛ فهو أحيانا يشير إليها في النص ذاته مسميا إياها بالمجموعة الجوهرية .
--> ( 1 ) Michel de Certeau , The Practice of Everyday Life ( Berkeley : University of California Press , 1988 ) , 118 .