واصف جوهرية
مقدمة 12
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
الحياة اليومية كمصدر لدراسة التاريخ : مشروع الجوهرية كوثيقة تاريخية عصام نصّار جرت العادة لدى المؤرخين التقليديين أن يعتبروا مذكرات القادة ( السياسيين أو العسكريين أو الملوك والرؤساء ) ، أو الشخصيات المرموقة ، مصادر أولية في دراسة التاريخ كونها تشكل سيرا ذاتية . فالسيرة بكونها نمطا معاصرا للكتابة تضع شخصية المؤلف في مركز الحدث كلاعب رئيسي ، وتعطينا كقراء صورة من الداخل للأحداث وصناعتها من قبل صاحب السيرة الذاتية . وإذا كانت السيرة أو السيرة الذاتية نمطا من الكتابة مقصورا على أصحاب النفوذ والسلطة فإنها بذلك لم تشكل نمط كتابة يستخدمه أفراد من عامة الشعب . الفئة الأخيرة هذه كتبت ما يعتبره المؤرخون مذكرات ذاتية أو شخصية لا نفع لها إلّا في إطار التواريخ العائلية أو المهنية التي تتعلق بمهنة كاتب المذكرات . مثال ذلك أن تؤخذ بعين الاعتبار مذكرات موسيقار في كتابة تاريخ الموسيقى ، ومذكرات طبيب في كتابة تاريخ مهنة الطب . لا يعني هذا أن المذكرات نمط كتابي خاص بالعامة في مقابل السيرة التي ترتبط بالخاصة . لا بل إن المذكرات شكلت ، على الأقل منذ القرن التاسع عشر ، نمط كتابة يمارسه الجميع بغض النظر عن مواقعهم السياسية والاجتماعية . أمّا الفارق الرئيسي ما بين نمطي الكتابة فيكمن في كون المذكرات ، بعكس السير ، تعتبر تأريخا ذاتيا يكتب لا بالضرورة بغرض النشر أو على الأقل ليس للنشر في زمن حياة مؤلفه . فالمذكرات تعكس رؤى شخصية ، وتتعامل مع أسرار هي غالبا ليست للنشر ، وتكتب بغرض المتعة الذاتية من دون أخذ القارئ في الاعتبار بالضرورة . وعلى الرغم من أن المذكرات الشخصية غالبا ما تشكل نوعا من محاولات تحسين صورة الذات فإنها أساسا تكتب بشكل انتقائي ولأسباب شخصية لا عامة . وهي بالتالي تخرج عن كونها دراسة تاريخية أو سجلا تاريخيا متكاملا كونها تعكس وجهة نظر كاتبها أساسا وفي أمور مختلفة ومتغيرة لا متكررة ( على غرار التكرار المعهود في وثائق المحاكم مثلا ) ، وذلك بعكس مذكرات القادة أو سيرهم التي يكتبها مؤرخوهم ، والتي قلما تتشكل من أحداث كتبت عشوائيا لأسباب ذاتية أو مزاجية . وما يزيد العملية تعقيدا أن مذكرات القادة يمكن معاينتها عبر مقارنتها بأحداث ومصادر معروفة مثل وثائق حكومية ، وتواريخ مكتوبة ، وما إلى ذلك . أمّا المذكرات الشخصية فغالبا ما يصعب مقارنة المعلومات الخاصة بها ، والتي تتعلق بما شاهد الكاتب أو بما شارك فيه . مذكرات واصف جوهرية ، وهي أساسا مذكرات شخصية لمواطن مقدسي عادي لم يتمتع بصلاحيات سياسية كتلك التي يتمتع بها الرؤساء والقادة لتشكل مذكراته سيرة ذاتية ، لا تعتبر من وجهة نظر المؤرخ التقليدي مصدرا أساسيا لدراسة التاريخ . لكن المذكرات الجوهرية تشكل مثالا مهما يثبت خطأ وجهة النظر التقليدية التي تضع المذكرات الشخصية للحياة اليومية لأبناء الفئات الشعبية في درجة أقل أهمية من السير الذاتية للنخب . مذكرات واصف جوهرية تشكل دليلا على أن المذكرات الشخصية من الممكن أن تكون أدلة ومصادر لدراسة الحياة الاجتماعية في زمان ومكان كتابتها . ولأن واصف جوهرية كاتب بارع وملاحظ دقيق ، ولكون الأحداث التي يصفها ويدونها تدور في مدينة القدس في مرحلة طواها النسيان ولم يكتب عنها الكثير ، أو أن ما كتب عنها يتعلق فقط بالأحداث السياسية الجسيمة لا بأحوال عامة الناس في إبان المراحل المؤرخ لها ، تشكل مذكراته وثيقة مهمة من دون أدنى شك . ومما يزيد في أهمية الوثيقة الجوهرية هذه كونها تصف الحياة في المدينة في مرحلة غالبا ما يكتب تاريخها بطريقة انتقائية يقصد منها إلغاء ومحو ذاكرة المشهد القدسي الاجتماعي لتلك الفترة ، وتهميش دور أبناء وسكان المدينة الأصليين ، أمثال واصف جوهرية ، في صنع تاريخ المدينة . أمّا أهمية المذكرات ، من ناحية كونها تشكل دليلا وثائقيا على طبيعة الأحداث السياسية المهمة التي كانت تجري