واصف جوهرية
78
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
السعدية وباب العامود ومعهم ( أجران الفرانة ) ويدورا بعد ضرب مدفع الإفطار عند الغروب على البيوت وهذه الفرقة تعرف ب ( الحواية ) الأشخاص اللذين يحووا بمعنى يمدحوا ، وقد يزوروا دارنا ويقفوا في الظلام في دهليز الدار ويقولون بأعلى أصواتهم هذه الأبيات [ لولا خليل ( أي الأخ خليل ) ما جينا ، حل الكيس وأعطينا ، وأعطينا حلاوانا ، صحنين بقلاوة ، جاي علينا جاية ، وبإيدنا العصاية ، ضرب الحواية ، وارغيفين شلبيات ، وارغيفين حلبيات ، حي اللّه يا بنات الشام ، وفيها الخوخ والرمان ، ودولابي دولابي ، يا سكر حلابي ، دولاب العبيد ، جلاب العبيد ، دولابي أبو رقبة ] ، ثم ينزل الرئيس من بينهم ويدعو بأعلى صوته قائلا يخللي له أمه الجميع آمين يخللي له أبوه آمين يخللي له أخته آمين . وهكذا إلى أن ينزل والدي إلى الدهليز ويغدق على كل واحد منهم المتليك . والجدير بالذكر أنني أذكر بأن أجير الفران المدعو حسن وكان يشتغل في فرن الزروق وله داله علينا كان هذا الخبيث يغير صوته بعد ما يستلم المتليك من الوالد ويقول ( أنا ما أخدتش عمي أبو خليل ) ولما كان الدهليز مظلم فينخدع والدي ويدفع له متليكا باعتبار أن الشخص هو شخص آخر وأخيرا علم بالحيلة وشتمه وكان يحبه لأنه كان خفيف الروح . وأما من يعرف ساحة باب العامود من الداخل وخصوصا قبل ضرب مدفع الإفطار للغروب بمدة ساعة ونصف الساعة ينشرح صدره فكانت هذه الساحة من تلك المحلة مرتبة ومنظمة تنظيما فنيا فكل بائع له موقفا خاصا أعتقد بأنه له بالسنتمتر مثل أشبه في بسطات باعي ذكريات المقدسة لبيت المقدس ( سوفنير ) التي تطرح في موسم عيد الفصح المجيد على سطح كنيسة القيامة . فهنا وعلى كرسي مقهى بلدي صغير ترى صدرا ملآنا بكرابيج حلب مجللا بالناطف وعليه تزويق القرفة للبائع المشهور في ذلك الزمن والإختصاصي في هذه الصناعة جورج داود ياسمينة مقابل قهوة المرحوم خليل نجم الذي كان يشتغل فيها كراكوز « 1 » أول فضل بعد الغروب ثم أمام سبيل الماء الواقع في الزاوية المؤدية إلى محلة الواد رجل يدعى فلوص ( ولي معه حادث لحسني لاخوي كما جاء في هذا الكتاب ) هذا الرجل كان أقرع إنما كما يقولون ذات روح خفيفة وأزعر ، ويبيع هذا الصنف أيضا من الحلوى ولكنه كان قذرا فيبيعه بسعر أقل من أسعار ياسمينة وقد حافظ على الناطف من الذباب فعمل قبة من القزاز وأقامها عليه للزينة ولكن الذباب أبى أن ينصرف ويتركه فكان يقف بالألوف على وجهه ولباسه ، وبجانب فلوص الأقرع خزانة خشبية لونها أزرق موضوعا فيها القناني البلورية القديمة البيضاء ملآنة من شراب الخروب فكانت هذه الخزانة شعبة أو فرعا من تجارة هذا الصنف من الشراب اللذيذ لصاحبه الشهير الحاج خليل مقابل لزلاطيمو سوق خان الزيت فينادي البائع بأعلى صوته " على اللّه الشفا يا خروب " وفي وسط هذه الساحة الواقعة بين مفترق الطرق تجد بائعي برازق « 2 » رمضان والخبز والكعك وشراب السوس والليمون ( والقضامة المطحونة ، « 3 » وكانت تستعمل بكثرة عند الصائمين للدوخة ) منتشرة في كل مكان يصعب عليك أن تمر من بين هذه الباعة وكل يصيح بأعلى صوته يدلل على حسن صنعته وجودها إلى أن يحين وقت ضرب مدفع الإفطار
--> ( 1 ) كراكوز : مسرح خيال الظل وقد اختفى بالخمسينات . ( 2 ) البرازق : رقاقات مخبوزة وعليها السمسم مشهورة في القدس . ( 3 ) القضامة المطحونه : من غير الواضح كيف يستعمل الصائم هذ الوصفة للدوخة !