واصف جوهرية

79

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

فالجميع يصبح وكأن على رؤوسهم الطير لا ينطقون ببنت شفة فهذه الساحة وأصحاب والدكاكين المحيطة بها يبدأون بالإفطار يأكلون كل في محله الخاص والأكلة الممتازة بكثرة في هذا الشهر هي البرازق . وعلى ذكر مدفع رمضان كانت العادة أنه يكون موضوعا على سطح قلعة النبي داود باب الخليل بالقدس وعندما يضرب خصوصا في الليل تهتز أركان مدينة القدس بأسرها ويكون صوته مسموعا لجميع أهل المدينة لأنه مكانه مرتفعا والجدير بالذكر أنني وأخي توفيق كنا نجلس على رأس الدرج في دار الجوهرية وكما قلت بأن هذه الدار عالية فكنا نشاهد ضرب المدفع من على القلعة وكأنه أمامنا . وهكذا كنا نحضر بعض الأكل والشرب فنمسك اللقمة في يدنا ونفتح أفواهنا مستعدين ومراهنين على أن من بدأ بوضعها في فمه ( بعد الضرب مباشرة ) يكون الغالب . آه . وأما عند المساء فإن هذه الساحة لغاية باب العامود من الداخل فتكون مزدانة ومضيئة بالأنوار الكثيرة وكانت اللوكسات والناس تشرب الأراجيل جالسين على أرصفة الشوارع يستمعون إما إلى فونوغراف إبراهيم البيروتي الذي ذكرته أعلاه أو لمن يزور القدس من المغنيين المشهورين أمثال الشيخ الصفتي ، وكان المطرب محمد العاشق يزور القدس غالبا في شهر رمضان ويشتغل في مقهى الهوسبيس في الشارع كما ذكرت لمحة وجيزة عنه في السابق . الكراكوز أعلم أن كلمة كراكوز هي تركية الأصل بمعنى ( قره كوز ) قره ، أسود وكوز ، عيون أي العيون السود وإن أصل هذه الألعوبة هي من بلاد فارس فكانت في الأصل أشخاص حقيقية يمثلون أدوارا فكاهية انتقادية في مجالس الملوك في الزمن القديم للترفيه عنهم . وأخيرا تقلص هذا الفن وصار يمثل بواسطة خيالات « 1 » تصنع من جلد الحيوان والأكثر جودة من جلد الخيل فهو شفاف وتلون كل قطعة من لباس هذا الخيال باللون الطبيعي للأزياء فهذا ما كنا نشاهده في صغرنا فيتضح للناظر صورة بديعة الإتقان تشبه تماما الرجل أو الامرأة أو الحيوان أو الأشياء المتجسدة بحجم صغير يحير العقول ويجلب الانتباه والإعجاب وكأنها صورة مصغرة للسينما في يومنا هذا . أما السر والأهمية الكبرى في هذا الفن النادر هو الشخص الذي يدير ويحرك ويلاعب هذه الأقزام الخيالية وإنك لتعجب أيها القاري الكريم عندما تعلم بأنه شخص واحد فقط ليس إلا فإنه وله المقدرة الخيرة الوافية بأن يمسك في يديه جملة خيالات وذلك بواسطة عود خشبي خاص لكل خيال وكثيرا ما يمسك أعواد إضافية لبعض أطراف الجسم من هذا الخيال ليتحكم في تحريك اليد أو الرجل مثلا عندما يتطلب ذلك حسب وقع الفصل المعين من تلك التمثيلية الجميلة . والأنكى من هذا كله فإنه هو بذاته يقلد أيضا الصوت أو الأصوات الطبيعية لكل من هذه الخيالات فإذا ما نطق بيتا من الشعر يمكنك أن تفرق هل كان هذا الصوت صوت كراكوز أو عواظ سيدة أو صوت سيدة أو ولد وهكذا حتى أنه يتخايل لك بأنك تشاهد أشخاصا حقيقية تمثل أمامك على المسرح بالنسبة . فترى أقزاما من البشر يتحركون ويرقصون ويتكلمون شي يذهل العقل حقا .

--> ( 1 ) خيلات : انعكاسات المجسمات على الحائط نتيجة توجيه الضوء عليها .