واصف جوهرية
77
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
الطائفة الأرثوذكسية العربية هناك بصورة فظيعة فترى الناس قد أغلقت أذنيها من قوة صوت البارود في وادي نهر الأردن والجدير بالذكر أن شبان المسلمين من القدس وغيرها يشاركون المسيحيين في هذا الاحتفال والبارود . ويسير هذا الاحتفال ورجال الحكومة الرؤساء منهم مع عائلاتهم يتصدرون المواقع التي تليق بهم ضيافة على البطريركية الأرثوذكسية . فترى هناك الأمة وعلى الأخص العرب في حالة سرور وفرح وحظ وسكر منذ فجر ذلك النهار إلى بعد نصف الليل عندما يحضرون قداسا آخر في الليل في ذات الموقع . وفي هذا الاحتفال لطائفة الروم العرب ذكرى محزنة جدا فقد قتل شابا عزيزا من عائلة الحرامي الكريمة واسمه داود شقيق الأستاذ شكري « 1 » وخميس وفرح والياس الحرامي أولاد المرحوم يوسف الحرامي . قتل عفوا عندما بدأوا في استعمال الأسلحة في احتفال الغطاس سنة 1914 [ وإني أحتفظ بصورة لهذا المشهد من نهر الأردن للسنة المذكورة عند الحادث للذكرى ] ولما كانت عائلة عريقات تعد من الشيوخ للمنطقة المعروفة من قرية أبوديس إلى نهر الأردن بالوادية وما لأفراد هذه العائلة الكريمة من شهرة فائقة ورجولة ومساعدة للحكومة في ذلك الزمن ففي هذا الاحتفال كانوا ولا شك يرأسون الأمن ويحمسون الأهالي على إقامة هذه الاحتفالات بلا خوف في منطقتهم وإني أعرف منهم المرحوم رشيد عريقات وخليل عريقات والسيد عبد الرحمن عريقات أمد اللّه في عمره وجميعهم من خيار الأسر وأصلهم من عرب الحويطات في شرق الأردن . أما عند رجوع هذه المواكب بعد احتفال الغطاس إلى القدس فشي يدهش وكما تعلم ترجع الناس مشيا على الأقدام من نهر الأردن ويرتاحون وينامون في أريحا وتاني يوم يدخلون مدينة القدس وأخص منهم طائفة الروم العرب فكنا نستقبلهم في رأس العامود فتدخل الشبان يلعبون السيف والترس والشوباشات وضرب البارود من كل جانب ولا ينفك مطلقا إلى أن يصل الموكب إلى باب الأسباط . ليالي رمضان بالقدس تكون ليالي رمضان بالقدس ليالي أنس وسمر وخصوصا عندما يصادف وقوع هذا الشهر المبارك في فصل الصيف من السنة ولما كنت وإخواني من سكان محلة السعدية وباب العامود واندماج والدي في الجيران المسلمين بصداقة متينة كنا نشاهد حفلات ونحضر اجتماعات ونطلع على عوائد « 2 » المسلمين يتعذر لغيرنا من المسيحيين الحصول عليها والوصول إليها . فكثيرا كنت وإخواني نشارك بحفلة الذكر في مقام الشيخ ريحان المجاور لدار الجوهرية وننشد معهم الأناشيد الدينية مع المحترفين والهواة منهم . ثم في الليالي نزور جيراننا منهم الشيخ محمد الصالح الأستاذ الأكبر والشيخ أديب جودة والشيخ سليم المملوك ومصطفى الزروق وعبد الداودي ومصطفى الصالحاني ومصطفى الجبشة وغيرهم ونقضي الليالي بالطرب خصوصا عندما آخذ طنبورتي فأعزف وأغني مع أخي توفيق ونشرب الشرابات ونأكل البرازق والحلوى في منتهى السرور والبهجة . وكانت العادة وهي على ما أعلم لغاية يومنا هذا تجتمع أولاد عائلات محلة
--> ( 1 ) شكري الحرامي : المربي المعروف ومدير كلية الأمة شمال القدس . ( 2 ) عوائد : عادات .