واصف جوهرية
75
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
مجددا في حي المصرارة تبدأ من أملاك عائلة الدزدار وتنتهي إلى أملاك حسن بك الترجمان والحد الشمالي هو طريق العام المعروفة بطريق نابلس . هذا الموقع يحتوي بكثرة على أشجار الزيتون وبصفته قريبا إلى المدينة القديمة وخصوصا لباب العامود وباب الساهرة فقد اعتادت أهالي مدينة القدس ومنذ القدم عندما كانت تغلق أبواب المدينة عند الغروب اعتادت أن تخرج العائلات وأولادها في فصل الصيف من المدينة بعد ظهر كل يوم وتتنزه في هذا الموقع الفسيح . تجد كل عائلة أو بالشراكة مع عائلة أو عائلتين أخرى يجلسون تحت شجرة زيتون وفي حالة حرارة الشمس يستترون بواسطة الشراشف البيضاء أو الحرامات يربطونها في أغصان الشجرة تتدلى إلى الأرض ويقضون هذا الوقت لحين الغروب يشربون الأركيلة ويأكلون مع أولادهم ويشرب المسيحيين منهم العرق أو النبيذ ويشترون الحلوى والنقرشات والحاملة والكعك وغيره من الباعة المتجولين هناك والحق يقال أن محلة سعد وسعيد كانت المنتزه العمومي لمدينة القدس ولا يوجد سواها في ذلك الزمن . « 1 » كنت وإخواني نرافق الوالدة في هذه الشطحات ونأكل بعض المآكل التي كانت تباع هناك مآكل طريفة ورغما عن قذارتها إلا أننا كنا نجدها لذيذة جدا وسأبين للقاري الكريم لمحة وجيزة عنها في فصل آخر بإذن اللّه وأن لنا ذكريات جميله في شطحات سعد وسعيد والتي مع الأسف توقفت اليوم ربما بالنظر إلى ضعف أشجار الزيتون في الوقت الحاضر وترقية الأهلين في المعيشة ومستواها . شطحة بئر أيوب كانت ولا شك الأمطار غزيرة في القدس فكنا مثلا نعيش في جو معتم فلا نرى الشمس أكثر من ثلاث أسابيع والمطر متواصل ثم البرد والثلوج وقد وجد بئرا يعرف ببئر أيوب في الجهة الشرقية من قرية سلوان السفلى بجانب القدس . هذا بئر فيه نبعة ضعيفة إنما عندما يتكاثر المطر والرعود فعندما يمتلئ أولا من مياه الأمطار تتدفق مياهه من ثغرة خاصة به وتنزل بقوة فائقة تصب في الوادي الواقع بشرقي البئر إلى أن ينتهي في البحر الميت ، وهكذا تبقى عند فيضان بئر أيوب مدة لا تقل عن الشهر . وقد انتهزت أهالي مدينة القدس من مختلف طوائفها هذه الفرصة ولأجل اتخاذهم حرارة الشمس الدافئة بعد مدة طويلة يقضونها داخل بيوتهم داخل سور المدينة يذهبون جماعات جماعات مشيا على الأقدام من رجال وسيدات وأولاد ويتنزهون على ضفتي هذه النبعة التي تكون عند أهل القدس بمثابة نهر ، يأخذون الأكل في السلال وربما البعض يحمل ما يقدر على شرائه في خرج ويركب على حمار . والجدير بالذكر أن موقع هذه البئر بئر أيوب مع الأسف صادف أن يكون بجانب المجاري الأوساخ لمدينة القدس التي تنصب من المدينة بواسطة أقنية تحت الأرض أما عند وصول هذه الأوساخ تكون مكشوفة بجانب بئر أيوب فتصور يا أخي هذا المنظر كنا نشطح ونغسل أرجلنا في ماء زلال من بئر أيوب ولكن للأسف بجانبنا تماما نهرا كبيرا من الأوساخ
--> ( 1 ) من المفارقة أن منطقة سعد وسعيد أصبحت عند نشر هذا الكتاب ( عام 2003 ) التجمع الرئيسي للمطاعم في القدس العربية ( المحرران ) .