واصف جوهرية

72

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الرئيسي في إعاشة الأهلين وأخصهم الروم الأرثوذكس لأن هذا الشعب المتفاني في الإيمان للدين المسيحي وكان الزائر منهم يسير على قدميه فيذهب مثلا من القدس ويصلي في العيزرية وأريحا والأردن ونهره وبحر الميت والأديرة التابعة مثل دير قرنطل وحجلا ومارجريس ثم من القدس إلى بيت لحم ومار الياس وغير هذه الأماكن فينام عندما يتعب ليلا ونهارا وهكذا أين ما حل يصرف نقود لصاحب الخان ولبائع الخبز والخمار والقهوجي أن كان على الطريق أو البحر ثم يدخل هذه الأماكن ويدفع النقود ويشتري الشموع والصلبان والبخور ثم يرجع من حيث أتى فيصرف مدة لا تقل عن الشهرين من السنة لأن حالة السفر كانت مقصورة على الدواب فقط وإني لا أبالغ إذا قلت أنه لا أقل من 30 إلى 35 ألف روسي يكون متجولا في بلادنا ليس له شاغل سوى الصلاة ودفع النقود . ولهذا السبب فإنك تجد أن منشآت الروس في بلادنا هي أكبر عددا من منشآت الدول الأخرى . وعلى كل حال أعود وأقول أن يوم عيد العنصرة من الأعياد التي تجلب الفرح والترفيه لأهالي مدينة القدس بالإضافة إلى قداسة العيد . دير المصلبة وعيد الصليب أما عيد الصليب فإن الباحث يجد أنه كان ذكرى لوجود الصليب المقدس عندما جاء قسطنطين وهيلانة لبيت المقدس فوجدوا الصليب الحقيقي الذي صلب عليه سيدنا يسوع المسيح وذلك في مغارة الصليب في الطابق السفلي لكنيسة القيامة . وأنه يقال بأن الشجرة التي قطع منها هذا الصليب كانت في الموقع الذي أنشأ عليه دير المصلبة بالقدس من الجهة الغربية في الوادي . أن هذا الدير كبير جدا وقديم وقد أقيم من قبل البطريركية الأرثوذكسية بالقدس على الأرض والأراضي التي كانت تخص هذه البطريركية . ولكن مع كل أسف قد بيع قسما كبيرا من الأراضي التي كانت تحيط به إلى اليهود وأصبح عمران يعرف بمحلة رحافيا . وفي هذا الدير مدرسة شهيرة تعرف بمدرسة المصلبة لعلم اللاهوت وإن أكثر رهبان ومطارنة وبطاركة الروم الأرثوذكس الموجودين تخرجوا بعلم اللاهوت خصوصا من هذه المدرسة أذكر منهم : تيموتاوس ، كيرلوس ، أفذوروس ، جراسيموس ، أثيناغوراس ، ثيوذورتوس ، أفراميوس ، كرياكوس وبهذه المناسبة أعلم القاري بأن الأديب المرحوم بندلي الجوزي « 1 » وغيره من طائفة الروم العرب تعلم فيها عندما كان الإكليروس اليوناني ينظر إلى طائفة العرب بحق الاشتراك نوعا في الوقف . كنت وإخواني نشترك بشطحة الصلبة منذ الصباح من ذلك اليوم وكانت والحق يقال رحلة طويلة لأهل مدينة القدس في الزمن الغابر نظرا لبعد موقع هذا الدير عن المدينة وعدم وجود وسائط النقل المريحة . كانت العائلات تجلس في الدير طيلة النهار تحت ظل أشجار الصنوبر وحب قريش الكثيرة الكثيفة الواقعة أمام الدير من جهته الشرقية من طرف

--> ( 1 ) بندلي الجوزي : المؤرخ المقدسي وأستاذ الاستشراق في جامعة باكو بجورجيا ، اشتهر بمؤلفاته عن التاريخ الاجتماعي للحقب الاسلامية .