ابن الكندي
14
فضائل مصر المحروسة
وبها السواري والمسلتان ، وعجائبهما وآثارهما أكثر من أن تحصى ، حتى إن خليجها مبلط بالرخام من أوله إلى آخره يوجد كذلك إلى اليوم . وقال الذين ينظرون في الأعمار والأهوية والبلدان بمريوط من كورة الإسكندرية ، ووادي فرغانة . وذكر أهل العلم أن المنارة كانت في وسط الإسكندرية حتى غلب عليه البحر ، فصارت في جوفه ، ترى الأبنية والأساسات في البحر عيانا إلى يوم القيامة . ومنها كورة الفيوم : وهي ثلاثمائة وستون قرية ، دبرت على عدد أيام السنة لا تقصر عن الري ، فإن قصر النيل سنة من السنين مارت كل قرية منها مصر يوما واحدا . وليس في الدنيا بلد بني بالوحي غير هذه الكورة ، ولا بالدنيا بلد أنفس منه ولا أخصب ولا أكثر خيرا ولا أغزر أنهارا . ولو قايسنا بأنهار الفيوم أنهار البصرة ودمشق ، لكان لنا بذلك الفضل . ولقد عد جماعة من أهل العقل والمعرفة مرافقها وخيرها فإذا هي لا تحصى ، فتركوا ذلك وعدوا ما فيها من المباح مما ليس عليه ملك لأحد من مسلم ولا معاهد يستعين به القوي والضعيف فإذا هو فوق السبعين صنفا . ومنها مدينة منف ، وأبنيتها وعجائبها وأصنامها ودفائنها وكنوزها أكثر من أن تحصى ، لا يدفع ذلك دافع ، ولا ينكره منكر ، من آثار الملوك والحكماء والأنبياء . قال إبراهيم بن منقذ الخولاني : خرجنا إلى منف ، فإذا بعثمان بن صالح جالس على باب الكنيسة فسلمنا عليه ، فقال أتدرون ما مكتوب على باب الكنيسة ؟ قلنا : ما هو ؟ قال : مكتوب عليه ، أنا فلان بن فلان ، لا تلموني على صغر هذه الكنيسة ، فإني اشتريت كل ذراع منها بمائة دينار ، فقلنا : إن لهذه قصة ، فقال : ها هنا وكز موسى عليه السلام الرجل فقتله . ومنها مدينة عين شمس ، وهي هيكل الشمس ، وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما ، فإنهما محمولان على وجه الأرض ليس لهما أساس ، وطولهما في السماء نحو خمسين ذراعا ، فيهما صورة إنسان على دابة ، وعلى رأسهما شبه الصومعتين ، من نحاس ، فإذا جرى النيل قطر من رأسهما ماء ، وتستبينه وتراه منهما واضحا ينبع . ومنها . الفرما ، وهي أكثر عجائب وأقدم آثارا ، ويذكر أهل مصر أنه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس في البر ، فغلب عليها البحر . ويقولون : غلب البحر على مقطع الرخام الأبلق ، وأن مقطع الأبيض بلوبية . قال يحيى بن عثمان : كنت أرابط بالفرما ، وكان بينها وبين البحر قريب من يوم ، يخرج الناس والمرابطون