ابن الكندي
15
فضائل مصر المحروسة
في أخصاص على الساحل ، ثم علا البحر على ذلك كله . وقال ابن قديد : توجه ابن المدبر وكان بتنيس إلى الفرما في هدم أبواب من حجارة شرقي الحصن احتاج أن يعمل منها جيرا . فلما قلع منها حجرا أو حجرين خرج إليه أهل الفرما بالسلاح فمنعوه من قلعها ، وقالوا هذه الأبواب التي قال اللّه عز وجل فيها على لسان يعقوب : " وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ " . وبالفرما نخلها العجيب الذي يثمر حين ينقطع البسر والرطب من ثائر الدنيا ، فيبتدئ هذا الرطب من حين يلد النخل في الكوانين ، فلا ينقطع أربعة أشهر حتى يجيء البلح في الربيع . ولا يوجد ذلك في بلد من البلدان ، لا بالبصرة ولا بالحجاز ولا باليمن ، ولا بغيرها من البلدان . ويكون هذا في البسر مازون البسرة منه عشرون درهما وأكثر . وفيه ما يكون طول البسرة منه قريبا من فتر . وقال ابن التختكان : أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها ولا تحت السماء لها نظير ، كورة الفيوم ، وكورة أتريب ، وكورة سمنود ، وكورة صا . خراج مصر وأما خراجها فجباها عمرو بن العاص أول سنة فتحها عشرة آلاف ألف دينار ، وكتب إليه عمر بن الخطاب يعجز رأيه ويقول : جبيت للروم عشرين ألف ألف دينار ، فلما كان في العام المقبل جباها اثني عشر ألف ألف دينار ، فلما عزل عثمان عمرا منها ، وولي عبد اللّه بن أبي سرح ، زاد على القبط في الخراج والمؤن ، فبلغت أربعة عشر ألف ألف دينار ، فقال عثمان لعمرو . درت اللقحة ، فقال عمرو : وأضررتم بالفصيل ، فأدبرت منه يومئذ ، ولم تزل تنقص إلى اليوم . فما جبيت في أيام بني أمية وبني العباس إلا دون الثلاثة الآلاف ألف دينار غير ولاية أمير المؤمنين هشام ، فإنها جباها ابن الحبحاب أربعة آلاف ألف ، وولاية بني طولون بالغوا في عمارتها فجباها أبو الجيش أربعة آلاف ألف دينار . وولي خراجها ابن الحبحاب لأمير المؤمنين هشام ، فخرج بنفسه فمسح أرض مصر كلها عامرها وغامرها مما يركبه النيل فوجد فيها ثلاثين ألف ألف فدان . وقال الليث بن سعد : ولي الخراج الوليد بن رفاعة لأمير المؤمنين هشام ، فخرج لإحصاء الجماجم والقرى ، فأقام ستة أشهر بالصعيد ، وبأسفل الأرض ثلاثة أشهر ، فأحصى فوق عشرة آلاف قرية ، أصغر قرية فيها خمسمائة جمجمة من القبط ، تكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف . وولي الخراج أسامة بن يزيد لأمير المؤمنين سليمان ، فكتب إليه أن احلب الدر حتى ينقطع ، واحلب الدم حتى ينصرم . فذلك أول شدة أصابت أهل مصر ، فقال سليمان يوما وقد أعجبه ما فعل أسامة : أسامة لا