ابن الكندي
13
فضائل مصر المحروسة
وفي كل مدينة منها آثار عجيبة من الأبنية والصخور والرخام والبرابي ، وتلك المدن كلها تأتي من السفن تحمل الطعام والمتاع والآلات إلى الفسطاط تحمل السفينة الواحدة ما يحمله خمسمائة بعير . ومنها : الإسكندرية في أبنيتها وعجائبها وآثارها ، وأجمع الناس أنه ليس في الدنيا مدينة على ثلاث طبقات غيرها ، ولما دخلها عبد العزيز بن مروان وهو إذ ذاك أمير مصر ، قال لعاملها حين رأى آثارها وعجائبها : أخبرني كم كان عدد أهلها في أيام الروم ؟ قال : واللّه أيها الأمير ما أدرك علم هذا أحد من الملوك قط ، ولكن أخبرك كم كان فيها من اليهود ، فإن ملك الروم أمر بإحصائهم فكانوا ستمائة ألف . قال : فما هذا الخراب الذي في أطرافها ؟ قال : بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر ، أنه أمر بفرض دينار على كل محتلم لعمران الإسكندرية ، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم ، وقالوا : أيها الملك لا تتعب ، فإن ذا القرنين الإسكندر أقام على بنائها ثلاثمائة سنة . ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهارا إلا بخرق سود في أيديهم ، خوفا على أبصارهم من شدة بياضها . ومن فضائلها ما قاله المفسرون من أهل العلم : إنها المدينة التي وصفها اللّه تعالى في كتابه الكريم ، فقال : " إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ " . وقال أحمد بن صالح : قال لي سفيان بن عيينة : يا مصري ، أين تسكن ؟ قلت : أسكن الفسطاط ، قال : أتأتي الإسكندرية ؟ قلت : نعم ، قال لي : تلك كنانة اللّه يحمل فيها خير سهامه . وقال عبد اللّه بن مرزوق الصدفي : لما نعى إلي ابن عمي خالد بن يزيد وكان توفي بالإسكندرية لقيني موسى بن علي بن رباح ، وعبد اللّه بن لهيعة والليث بن سعد متفرقين ، كلهم يقولون : أليس مات بالإسكندرية ! فأقول : بلى فيقولون : هو حي عند اللّه يرزق ، ويجري عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا ، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك . ومن عجائبها المنارة ، وطولها مائتان وثمانون ذراعا ، وكان لها مرآة ترى فيها من يمر بالقسطنطينية . وفيها الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه ، لا يرى أحدهم شيئا دون صاحبه ولا يتظالمون ، ينظر وجه كل واحد منهم تلقاء وجه صاحبه ، إن عمل أحدهم شيئا أو تكلم أو قرأ كتابا أو لعب لونا من الألوان سمعه الباقون ، ونظر إليه القريب والبعيد سواء . وفيه كانوا يترامون بالكرة ، فمن دخلت كمه ولي مصر ، وكان عمرو بن العاص قد دخل تاجرا في الجاهلية بالأدم والقطن ، فشهد هذا الملعب فيمن ينظر ، فدخلت الكرة كمه ، فأنكروا ذلك ، وقالوا : ما كذبتنا هذه الكرة قط ! أنى لهذا الأعرابي بولاية مصر ! فأعادوها ، فعادت الكرة إلى كمه مرات فتعجبوا من ذلك ، إلى أن جاء اللّه بالإسلام ، وكان من أمره ما كان .